الأثبات بشهادة الشهود في نظام المرافعات الشرعية السعودي

Posted on

الأثبات بشهادة الشهود في نظام المرافعات الشرعية السعودي

المقدمــة

تبرز شهادة الشهود من بـين وسائل الإثبات القانونية, أو ما يُعرف بـالبيّنة الشخصية , كأكثر وسـائل الإثبات إنتشارا بين المتداعين, والهدف منها أن يُثبت الخصم إدعاءه أو دفاعـه, بإفادة أشخاص يُسميهم, ويدعوهم إلى المحكمة لأداء شهاداتهم, في النزاع المنظور أمامها, على وقائع يعرفونها لكنها غير متعلّقة بهم شخصياً, ولكن شاءت الظروف أن يتواجـدوا في مكان أو زمان حدوثها.

ونظراً لإختلاف الناس وتنازعهم في الحقوق التي تكون لهم في تعاملاتهم المختلفه وفي ظل  إمكانية جحود وإنكار حقوق بعضهم  عند الآخر, وعدم إقرار أي من الطرفين بنسبة الحق إلى صاحبه, كان لابد من وجود نظام الإشهاد أو شهادة الشهود وذلك لحفظ الحقوق من الضياع , ومن أجل الأخذ على أيدي العابثين وإعطاء كل ذي حق حقه, فالشهادة أذن طريق من طرق الإثبات التي يتوصل  بها القاضي إلى إنصاف المظلوم من الظالم  .

وقد عالج نظام المرافعات السعودي أحكام الشهادة , في الفصل الخامس في المواد   من(117) الىالمادة(123) من  نظام المرافعات الشرعية السعودي.
وسوف أستـعرض في هذا البحث  أبـرز أحـكام شهادة الشهود , من ناحية تعريفها, شروط سـماعها, والحالات التي يجوز بها الإثبات بشهادة الشهود ودعوة الشهود وحضورهم وعدم تمكنهم من الحضور , وبدء سماع شهادتهم ومناقشتها من قبل الخصوم , وهي محاولة متواضعة لشرح مواد ونصوص هذا النظام الذي يعتبر الأساس لأية محاكمات عادلة وذلك فيما يتعلق بإلاثبات بشهادة الشهود , إذ أنه من الملاحظ إن النظام القضائي السعودي يعتمد بشكل أساسي على شهادة الشهود في مختلف القضايا.

ورغم أن نظام المرافعات الشرعية قد ترك بعضاً من الجوانب التي تحكم الشهادة إلى أحكام الشريعة الإسلامية وما أستقر عليه الفقه الاسلامي , فقد أرتأيت  الرجوع فيما يستدعي التوضيح في أحكام الشهادة إلى ما أستقر عليه رأي جمهور الفقهاء ودون التبحر في آراء الفقهاء أو المذاهب المختلفه وذلك منعاً للإطالة , وليكون مدار هذا البحث منصباً على توضيح وشرح الإثبات بشهادة الشهود وفقاً لنظام المرافعات الشرعية السعودي, مع الإستعانة والرجوع إلى أحكام الفقه الإسلامي في الأمور التي سكت عنها هذا النظام , وقد ختمت هذا البحث بملاحظات وتوصيات حول نصوص الشهادة في نظام المرافعات الشرعية السعودي .

,,,,, والله الموفق,,,,,

                                            المبحث الاول :  تعريف الشهادة

في اللغة: وهي تأتي بمعاني منها : الخبر القاطع , المعاينة والعلانية , الحضور , ومثالها في الخبر القاطع قوله تعالى  (وما شهدنا إلا بما علمنا) وبمعنى المعاينة قوله تعالى ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن  إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) بمعنى أأبصروا خلقهم وعاينوه, وبمعنى الحضور قوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ، ومعنى الشهود هم الحضور لأن الشاهد يحضر مجلس القاضي ليدلي بأقواله فيطلق بطريق المجاز عليها شهادة, ومنه قول رسول الله صلىالله عليه وسلم ( الغنيمة لمن شهد الواقعة ) بمعنى حضرها.

في الإصطلاح:  هي دليل من أدلة الإثبات يتمثل في قيام شخص من غير أطراف الخصومة بالإخبار في مجلس القضاء بعد حلف اليمين  بما يعرفه شخصياً حول وقائع معينة تصلح محلاً للإثبات.

في الفقـه : يتم تعريفها بأنها إخبار صادق في مجلس القضاء بلفظ الشهادة لإثبات حق على الغير.

وتسميتها بالشهادة إشارة إلى أنها مأخوذه من المشاهدة المتيقنة , لأن الشاهد يخبر عن ما شاهده وتيقّن منه , والإشارة الى ذلك بحديث أبن عباس- رضي الله عنه – ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يشهد  بشهادة , فقال لي : ” يا أبن عباس لا تشهد إلا على ما يضيء لك كضياء هذه الشمس وأومأ رسول الله بيده الـــى الشمـس ” .

وعلى ذلك فإن الشهادة المقصود بها كدليل في الإثبات هي الشهادة المباشرة، فالأصل
أن يدلي الشاهد بما عرفه مباشرة سواء عن طريق السمع أو البصر أي تلك التي تنجم عن الأتصال المباشر لحواس الشاهد بالواقعة المشهود عنها.

أما الشهادة غير المباشرة، أو الشهادة السماعية او شهادة النقل أي تلك التي ينقل فيها الشاهد الواقعة بالتواتر عما سمعه من غيره، فإنها لا تصلح كدليل في الإثبات بل يمكن سماعها لمجرد الإستدلال الذي لا يصل إلى مرتبة الدليل.

والشهادة كغيرها من الأدلة تخضع لتقدير القاضي فلا يصح مناقشته في قناعته الوجدانية حول أخذه بشهادة أو طرحها أو اعتماده على شهادة دون أخرى.

وفي حال تعارضت شهادة الإثبات مع شهادة النفي فالرأي الأول والأخير يعود للقاضي نفسه , كما يمكنه ان يرجّح شهود أي من الخصمين حسب قناعته الوجدانية, على ان يقوم بتسبيب طرحه الشهادة التي لم يأخذ بها في صك الحكم . 

كما يمكن للقاضي أن يأخذ بشهادة شهود المدعي أو المدعى عليه الذين لا تقبل شهادتهم طالما لم يعترض على سماعها الخصم الآخر ولا يصح مجادلته فيما أطمأن إليه من شهادات هؤلاء.

ولا يخضع القاضي في وزنه للشهادة لرقابة محمكة التمييز أو حتى مجلس القضاء الأعلى في السعودية إلا إذا كان تقديره لوزن البينة (شهادة الشهود) يشوبه خطأ جسيم ومخالفة للنظام .

                                      المبحث الثاني : مكانة الشهادة في الإثبات

إن الأدلة الشرعية التي تثبت بها الحقوق ليست على درجة واحدة من القوة , بل بعضها أقوى من بعض , فالمرتبة الأولى تأتي للإقرار ومن ثم تأتي الشهادة , فالشهادة تأتي ثانياً بعد الإقرار من حيث القوة , ذلك ان الإقرار هو إخبار الشخص نفسه عن الحق الذي في ذمته للغير على وجه القطع واليقين وبما ينفي الريبة والتهمة , إذ إن العاقل لا يكذب على نفسه كذباً يضرّ به , لذا كان الإقرار سيد الإدلة في الإثبات إذ لا يكون بعد الإقرار أي حاجة للإثبات بالشهادة أو بأي طريق أخر من طرق الإثبات  فالإقرار حجة ملزمة للمقّر نفسه بما أقرّ به من حقوق للغير في ذمته , بينما الشهادة دليل ظني يجوز دحض ما ورد بها ولا تثبت بها الحقوق بالقطع واليقين .

                                المبحث الثالث : حكم الشهادة ومشروعيتها

الشهادة حجة مظهرة للحق يجب على القاضي الحكم بموجبها متى كانت مستوفية لشروطها , وهي مشروعة بنص القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, يقول الله سبحانه وتعالى (وأستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وأمرأتان ممن ترضون من الشهداء)“البقرة282” وقوله تعالى (وإشهدوا أذا تبايعتم) وقوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم)  ومنها قوله عليه الصلاة والسلام     ( شاهداك أو يمينه).

ويعد تحمّل الشهادة وأداؤها من فروض الكفاية, وذلك لقوله تعالى ( ولا يأبى الشهادة إذا ما دعوا ) وقوله تعالى ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها منكم فأنه آثم قلبه)”البقرة284″ ولكونها فرض كفاية فاذا قام بها العدد الكافي سقط الإثم عن الجماعة, ولأن الشهادة أمانة فيلزم أداؤها كسائر الأمانات, فأن امتنع الجميع أثموا كلهم .

والشهادة حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه , ولكنها توجب على القاضي أن يحكم بمقتضاها , لأنها إذا أستوفت الشروط المطلوبة فتكون قد أظهرت الحق والقاضي ملزم بالقضاء بالحق .

                                    المبحث الرابع : شروط  صحة الشهادة

لم يحدد نظام المرافعات الشرعية السعودي ضمن نصوصه  شروطاً معينه لقبول الشهادة من عدمها , وهو بذلك قد ترك الأمر للرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي لتحديد الشروط الواجب توافرها فيمن يجوز قبول شهادته أو عدم قبولها , وبالرجوع إلى الفقه الإسلامي  للوقوف على شروط الشهادة , تبين أنها تنقسم الى  قسمين شروط يجب توافرها في الشاهد نفسه وهي ما تعرف ( بشروط التحمّل)  وشروط  ترجع إلى الشهادة نفسها وتعرف ( بشروط الأداء)  وهي على التفصيل الآتي :-

ولاً-  :  شروط  ترجع الى الشاهد  نفسه  وهي  تعرف بشروط التحمـــّل  وهي كالتالي :-

1- البلوغ : حيث لا يصح سماع شهادة الأطفال والصبيان , إذ أنه من باب أولى اذا كان لا يؤتمن على التصرف وحفظ أمواله الخاصة فأنه لا يؤتمن على الشهادة وحفظ حقوق غيره.

2– العقل : فلا تصح شهادة غير العاقل الذي لا يعرف كنه ما يقوله ولا يعقله حتى يحتكم إليه في حقوق الآخرين .

– 3 لعدالة : فقد أجمع جمهور الفقهاء على ضرورة ان يكون الشاهد عادلاً  لقبول شهادته في مجلس القضاء , تحقيقاً لقوله تعالى ( وأشهدوا ذوي عدل منكم )

4- الحرية : فقد أجمع جمهور الفقهاء على عدم جواز شهادة الرقيق , ونرى إن حكم هذا الشرط في الشهادة قد أصبح منسوخاً في وقتنا الحاضر , إذ لم يعد هناك نظام للرّق سواء في المجتمع الإسلامي  أو المجتمع الغربي  , بل إن إسترقاق البشر أصبح  يعتبر جريمة دولية وهناك إتفاقية دولية لإبطال الرّق  ولانحتاج إلى الاشارة إلى الدور الأساسي الذي كان لديننا الإسلامي الحنيف في هذا الأمر

5- البصر :  وقد أختلف الفقهاء وأستفاضوا في البحث متى تصح شهادة الأعمى  ومناط الأمر انه لايعتد بشهادة الأعمى  في  الأمور التي تحتاج إلى رؤية وتجوز شهادته في الأقوال دون الأفعال فيما لا يشتبه عليه من الأقوال والأصوات إذا كان فطناً , ونرى أن يترك أمر تقدير قبول شهادته من عدمها إلى تقدير القاضي نفسه وما يراه من فطنة وتمكّن في نفس الشاهد لما سمعه من قول مؤثر  في سير الدعوى .

6- الإسلام : ذهب جمهور الفقهاء على أن الأصل أن يكون الشاهد مسلماً فلا تُقبل شهادة الكافر, فهو ليس بعدل وفاسق ويكذب على الله تعالى فلا يؤمن منه الكذب في حقوق الناس .

7- النطق : فلا تصح شهادة الأخرس عند جمهور الفقهاء , غير أن بعض التشريعات تأخذ بشهادة الأخرس إذا ما كانت إشاراته مفهومة لا لبس فيها , أو إذا كتبها بخط  يده.

-8 التيقظ : فلا تقبل شهادة كثير الغفلة وغير اليقظ الذي غالبا لا يمكن التوثق بقوله لغلبة النسيان والغفلة وعدم الحفظ  لد

9-  ألا يكون محدوداً بحدّ القذف : وذلك إحقاقاً لقوله تعالى ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم  الفاسقون ).

10– عدم التهمة : والمقصود أن لا يكون على الشاهد أمراً يشوب شهادته ومنها لا الحصر: أن  تجّر الشهادة عليه مغنما وتدفع عنه مغرما , أي أن لا تكون له مصلحة من وراء الشهادة , وكذا أن لا تكون هناك عداوة بين الشاهد والمشهود عليه , وأن لا تكون الشهادة من أصل لفرعه أو من فرع لأصله وإن كانت تقبل إن كانت عليه في الحالتين المذكورتين وألا يكون الشاهد خصماً لنفسه أى لموكله أوالوصي للموصى عليه وغيرها من الحالات المشابهة والتي لابد من الرجوع في  تقدير وجودها من عدمه إلى  قناعة القاضي الوجدانية.

ثانياً-  : شروط  ترجع الى الشهادة نفسها وهي تعرف بشروط  الأداء وهي كالتالي:

 1- أن يكون آداء الشهادة بلفظ (أشهدُ) : وهو أمر بأتفاق جمهور الفقهاء

2 -أن تكون الشهادة مطابقة لدعوى أحد الخصمين أو موافقة لها :  ومثاله أن يدّعي شخص على أخر أن له بذمته مبلغ الف ريال, ويأتي بشهوده , فيشهدون بذلك  فتكون الشهادة مطابقة لدعواه , أو أن يشهد الشهود أن له خمسماية ريال فقط وليس ألفاً فتكون الشهادة لذلك موافقة لدعوى المشهود له فيؤخذ بها .

3-  أن تكون الشهادة على شيء معلوم : فلا يعقل أن تنصّب الشهادة على شىء مجهول غير معلوم , بمعنى أن يكون المشهود به واضحاً بيّناً حتى تترتب على  الشهادة آثارها , ولأن علم القاضي بالمشهود به شرط لصحة قضائه , فما لا يعلمه القاضي لا يمكنه القضاء به.

4-أن تكون الشهادة ضمن النصاب المطلوب : ومثاله الزنا فلا تقبل الشهادة عليه الا بتوافر النصاب للشهادة وهي أربعة شهداء , ومنها مالا يقبل الإ بشاهدين لا إمراة فيهما مثل  الحدود والقصاص وعقد النكاح والطلاق والرجعة, وبعضها ما يثبت بشهادة رجل وأمراتين وهو ما سوى الحدود والقصاص سواء أكان مالاً أو غير مال

5-   أن لا تكون الشهادة واردة على ما يخالف الحس : فعلى الشهادة أن لا تخالف المحسوس , لأن الحسّ يفيد علماً قطعياً ثابتا, فإذا خالفت الشهادة هذا الحسّ لم تكن طريقا شرعّيا يصلح لبناء الأحكام عليها , فالشهادة علم ظنّي والحسّ علم قطعي وإذا تعارضا كان الأخذ بما هو قطعي أوجب وهو الحسّ

6-  أن لا يكون في الشهادة شبهة في الأخذ بها :-  لذا فلا تقبل شهادة من عُرف بالفسق أو الجنون وكذا شهادة الفروع للأصول والعكس وبكل ما من شأنه أن يثير الشك في صحة شهادة الشاهد , ويعود أمر تقدير ذلك إلى قناعة القاضي بتوافر الشبهة في أداء الشهادة من عدمها.

                     المبحث الخامس: في الإثبات بشهادة الشهود :

إذا أراد أحد الخصوم إثبات  دعواه بواسطة شهادة الشهود فعليه أن يتقدم بطلب بذلك إلى القاضي ناظر الدعوى أثناء المرافعة , إذ لا يصح لطالب الإثبات بشهادة الشهود أن يأخذ شهوده معه أو يدعوهم إلى الحضور إلى المحكمة من تلقاء نفسه ويطلب من المحكمة سماعهم ,  بل عليه أولاً أن يبيّن للمحكمة الوقائع المراد إثباتها بواسطة الشهود , وهو ما نصت عليه المادة( 117) من نظام المرافعات الشرعية  بقولها :

( على الخصم الذي يطلب أثناء المرافعة الإثبات بشهادة الشهود أن يبين في الجلسة كتابة أوشفاهاً الوقائع التي يريد إثباتها، وإذا رأت المحكمة أن تلك الوقائع جائزة الإثبات بمقتضى المادةالسابعة والتسعين قررت سماع شهادة الشهود وعينت جلسة لذلك وطلبت من الخصم إحضارهمفيها ) .

 ووفق نص المادة المذكورة  فأن على الخصم الذي يريد اثبات دعواه أن يبيّن  هذه الوقائع للمحكمة في ذات الجلسة إما شفاهةً او كتابةً , وعلى القاضي أن يتأكد إن كانت هذه الوقائع مما يجوز إثباتها بواسطة الشهود أم لا , فإن كانت كذلك يقرر القاضي سماع شهود الخصم على الوقائع التي ذكرها, ويحدد جلسة لسماع شهادتهم ويتم إثبات ذلك في ضبط القضية , على أنه إذا لم يتقدم  أو يبادر أي من الخصوم  بطلب سماع بينته المتمثلة بشهادة الشهود على دعواه التي تقدّم بها فإن على القاضي أن يسأله عنها .

وقد وضعت المادة (97) من نظام المرافعات  قاعدة عامة في الإثبات وبيّنت الشروط المطلوب توافرها بشكل عام في أية واقعة يراد إثباتها أيا كانت طريقة الإثبات ومنها الإثبات بشهادة الشهود ,  وقد جاء نص المادة (97) من النظام كما يلي:

( يجب أن تكون الوقائع المراد إثباتها أثناء المرافعة متعلقة بالدعوى منتجة فيها جائزاً قبولها.)

وتتركز هذه الشروط في ثلاث نقاط أساسية هي أن تكون الواقعة متعلقة بالدعوى, منتجة فيها, جائزاً قبولها  وهي شروط لابد من توافرها في أية واقعة لتكون قابلة للاثبات وهي بالتفصيل كالتالي :

شروط الواقعة المراد اثباتها :-

1-  ان تكون الواقعة  متعلقة بالدعوى :- وهو أن يؤدي إثبات الواقعة مباشرة أو غير مباشرة إلى إثبات الدعوى أو جزء منها , وهذا يعني أن الوقائع المراد إثباتها لابد أن تكون متعلقة بالحق المطالب به بحيث تؤدي إلى إثبات الحق أو جزء منه وكما هو ملاحظ أن المشرع لم يشترط في ذلك أن تؤدي الوقائع إلى الإثبات مباشرة بل يكفي أن يؤدي إلى الإثبات بصورة غير مباشرة ، بمعنى جواز إثبات وقائع قريبة من الدعوى على أن تكون متصلة بالواقعة الأصلية إتصالاً وثيقاً بحيث يؤدى إثباتها إلى أحتمال اثبات الواقعة الأصلية المتعلقة بالدعوى , وبكل الأحوال فأن تقدير الواقعة وكونها متعلقة بالدعوى تختص بها محكمة الموضوع وتقع تحت سلطتها التقديرية وهي لا تخضع في ذلك الى رقابة المحاكم الاستئنافية.

2-  ان تكون الواقعة منتجة في الدعوى:-  أي ان تكون الواقعة مؤثرة في الدعوى نفياً او إثباتاً , ويفهم من ذلك أن الواقعة المنتجة في الدعوى هي تلك التي متى ما ثبتت تؤدي إلى الفصل في الدعوى سواء كان إيجاباً أو سلباً أي بالنفي أوالإثبات , وأن في ذلك تحقق للعدالة التي ينشدها كل مشرع ذلك أن اختصار الوقائع على كونها منتجة فقط في الدعوى , وبإعتبار أن الوقائع غير المنتجه تخرج الدعوى عن مسارها الطبيعي  وتتجه بها الى  طريق لا ينتج عنه اثبات او نفي الدعوى,  وبالتالي على القاضي أن يسمح للخصوم باثبات الوقائع التي تكون منتجه  ومؤثرة بالدعوى , وقد يؤدي  رفض القاضي  لإثبات بعض الوقائع المنتجه في الدعوى ابتداءً إلى تعطّل طريق إثبات الدعوى أمام الخصوم . والوقائع المنتجة في الإثبات مسألة موضوعية تخضع لتقدير قاضي الموضوع (محكمة  الدرجة الاولى)  ولا تخضع لرقابة المحاكم الأعلى درجة  ( التمييز) باعتبار أنها مسألة موضوعية ما لم يتعلق الأمر بخطأ في تطبيق النظام او قصور في تسبيب  رفضه لطريقة الاثبات  أوالإستناد الى الوقائع منتجه بالدعوى أو على أسباب قانونية أي بمسألة من مسائل القانون في هذه الأحوال تكون للمحاكم العليا سلطة الرقابة والتدخل

 3-   ان تكون الواقعة جائز قبولها :-  اي ان تكون ممكنة الوقوع فلا تخالف الشرع أو العقل أو الحس  , ويلاحظ أن النظام السعودي نص على ضرورة عدم مخالفة الواقعة المراد اثباتها للشــرعباعتبار أن الشريعة الاسلامية هي مصدر أنظمتها ، وكل ما يخالف العقل او الحس بالطبع يخالف الشرع وهذه تخضع لرقابة المحاكم الأعلى.

                           المبحث السادس : الحالات التي يجوز الاثبات فيها بالشهادة

بشكل عام وفيما عدا القضايا المتعلقة بالحدود, فأن نظام المرافعات الشرعية  قد أباح إثبات كافة الوقائع المادية والتصرفات المدنية والتجارية  كالقروض والبيوع والايجارات وسائر العقود المالية فأنه يجوز إثباتها بشهادة الشهود, وبخلاف ما استقرت عليه معظم قوانين المرافعات في الدول العربية التي نصت على انه لا يجوز اثبات عكس ما اشتمل عليه دليل خطي بشهادة الشهود , وكذلك وضعت هذه القوانين  نصابا من المال اذا زادت المطالبة بأكثر منه , فلا يجوز اثبات مبلغ المطالبة بشهادة الشهود  ولا بد ان يكون ثبوت المبلغ  بالكتابة الا في حالات معينه, عدا الأمور التجارية التي تكون بين التجار فيجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات ومنها شهادة الشهود, ووجوب الكتابة هو إتباعاًً لقوله تعالى ( اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فأكتبوه) وهو أمر خلا من النص علية في نصوص الشهادة في نظام المرافعات الشرعية السعودي.

                              المبحث السابع : دعوة الشهود وحضورهم :-

اذا قررت المحكمة سماع شهادة الشهود , فأنها تدعوهم الى الحضور الى المحكمة لإداء شهادتهم وتقوم بتكليف الخصم الذي طلب الإثبات بواسطتهم بإحضارهم بنفسه في الجلسة القادمة , ويشار إلى ميعاد حضور وسماع شهادة الشهود في ضبط القضية وللخصم الذي طلب الإثبات بالشهود أن يطلب إعطائه مهلة لإحضارهم في الجلسة المعينه لذلك , والمحكمة بدورها تعطيه هذه المهلة على أن تكون المهلة مناسبة لحضور الشهود من وجهة نظر المحكمة, فلا تكون المهلة طويلة جدا بطلب الخصم ,  حتى لا يكون ذلك سبباً أو حيلة من الخصم لإطالة أمد التقاضي والإضرار بخصمه الأخر, ولاتكون المهلة المعطاة  قصيرة بحيث لا يتمكن الخصم من إحضارهم بهذه المهلة , وبكل الأحوال فأن الامر يعود الى تقدير المحكمة التي لها ان تحدد اقل مدة كافية لحضور الشهود لسماع شهادتهم , وهو ما نصّت عليه المادة (122) من نظام المرافعات الشرعية بقولها :

” إذا طلب أحد الخصوم إمهاله لإحضار شهوده الغائبين عن مجلس الحكم فيمهل أقل مدة كافية في نظر المحكمة……

غير إنه إذا مضت هذه المهلة المعطاة من المحكمة للخصم لإحضار شهوده في الجلسة المعينة لذلك ولم يقم بإحضارهم , وأياً كانت الأسباب والمبررات لذلك , فإن المحكمة تقوم بمنح الخصم مهلة أخرى لإحضار شهوده مع إنذاره بأن المحكمة ستعتبره عاجزاً عن تقديم البينة إذا لم يقم بإحضار شهوده في الموعد المحدد لذلك , وتقوم المحكمة بتحديد موعد جديد لإحضار هؤلاء الشهود, فإذا إنقضت المهلة الثانية ولم يقم الخصم بإحضار شهوده في الجلسة المعينة – وسواء أقر الخصم بعدم قدرته على إحضارهم أو تعلل بأية أسباب  لذلك-  فان المحكمة تعتبره عاجزا عن اثبات دعواه , وتقوم بالفصل فيها حسب البينة المقدمة بها او ترد دعوىالمدعي لعدم الثبوت, وذلك بغض النظر عن أية اسباب او مبررات قد يتمسك بها الخصم لعدم إحضاره شهوده ومنها مثلاً ( غيابهم خارج البلاد , او جهله بمحل إقامتهم ) وهي أمثلة أوردتها المادة (122) من نظام المرافعات على سبيل المثال لا الحصر . 

وللمحكمة في هذه الحالة ان تُفهم الخصم التي فصلت دعواه بأن له الحق في إقامة دعواه مرة أخرى متى تمكن من إحضار شهوده المذكورين .

وهذا الحكم كما ينصرف في حالة عدم إحضار الشاهد  لشهوده في المهلة المحددة  ينصرف ايضاً الى حالة قيام الخصم  بإحضار شاهد أو شهود لم توصل شهادتهم ولم تكن ذات نفع بالدعوى فيتخذ بحق هذا الخصم نفس ما سبق بيانه من إجراءات.

ومن الجدير بالذكر إنه في حالة قيام الخصم بإحضار شهوده الغائبين وإقامة دعواه مرّة أخرى, فأن للقاضي ناظر القضية الجديدة أن يستند إلى ما تم ضبطه والوقوف عنده سابقا بالقضية الأولى , أي لا تكون هناك حاجة لأتخاذ ذات الإجراءات السابقة والبدء بالدعوى من نقطة الصفر , بل يتم البناء على ما سبق ضبطه بالقضية والسير بالقضية من النقطة التي وصلت اليها وهي سماع الشهود حال حضورهم , وهو ما نصت عليه المادة (122) من نظام المرافعات بقولها :

” إذا طلب أحد الخصوم إمهاله لإحضار شهوده الغائبين عن مجلس الحكم فيمهل أقل مدة كافية في نظر المحكمة فإذا لم يحضرهم في الجلسة المعينة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته أمهل مرة أخرى مع إنذاره باعتباره عاجزاً إن لم يحضرهم ، فإذا لم يحضرهم في الجلسة الثالثة أو أحضر منهم من لم توصل شهادته فللمحكمة أن تفصل في الخصومة فإذا كان له عذر في عدم إحضار شهوده كغيبتهم أو جهله محل إقامتهم كان له حق إقامة الدعوى متى حضروا “.

                    المبحث الثامن : عدم تمكن الشهود من الحضور :

اذا حدد القاضي موعداً لحضور الشهود بالطريقة التي تم ذكرها , وتم تكليفهم بأداء الشهادة أمام المحكمة , فعليهم أن يحضروا في الموعد المحدد لسماع شهادتهم , وهذه هي القاعدة العامة وهي حضور الشهود الى المحكمة لأداء الشهادة , ولكن الاستثناء انه قد يحدث ان لا يتمكن الشاهد من الحضور إلى مجلس القضاء لأداء شهادته لوجود عذر يمنعه من القدوم الى المحكمة ومثاله المرض المقعد , وكبر السن الذي يجعل الانتقال للشاهد الى مجلس القضاء صعباً وفيه مشقة وخطورة على الشاهد , فما الحل عندها ؟

لقد حددت المادة (118) من نظام المرافعات الشرعية الحل لذلك الأمر بأن أعطت القاضي ناظر الدعوى الحرية بأن ينتقل إلى مكان إقامة الشاهد الذي تعذر عليه الحضور لأداء شهادته أو بان ينتدب أحد قضاة المحكمة لذلك, وهذا الأمر يأتي من باب التخفيف على الشهود لأداء شهادتهم حتى لا يكون التكليف بأداء الشهادات أمراً شاقاً عليهم , فإذا كان الشاهد المعذور مقيما في منطقة بعيدة تخرج عن  أختصاص القاضي ناظر الدعوى وتدخل في أختصاص محكمة أخرى , فأن للقاضي ناظر الدعوى أن يستخلف المحكمة التي يقيم ضمن أختصاصها الشاهد المعذور بحيث ينتدب قاضي المحكمة المستخلفة بالانتقال لسماع شهادة الشاهد وإثباتها وضبطها بعد أن يكون قد تم تعميده بخطاب من القاضي ناظر الدعوى يبين فيه إنه تم إنتدابه وإستخلافه مع بيان الغاية من الإستخلاف وأسماء المدعيين وموضوع الدعوى مع ذكر أسم الشاهد كاملاً وعنوانه , وبعد أن يقوم القاضي المستخلف بضبط شهادة الشاهد حسب الأصول المتبعه فإنه يقوم بإرسال صورة مصدقة من ضبط الشهادة إلى القاضي ناظر الدعوى وذلك وفقا لما نصّ عليه في إجراءات الإستخلاف المنصوص عليها في المادة (98) من النظام .

وغني عن القول  إن الأمر يرجع  للقاضي ناظر القضية  في تقدير  توفر العذر الذي يمنع الشاهد من الحضور إلى مجلس الحكم من عدمه , وحسناً فعل المشرع بذلك إذ أن حصرالأعذار قد يقّيد القاضي ويسبب المشقة للشهود الذين لم ينص على اعذارهم التي قد تكون قوية وتمنعهم من الحضور الى مجلس الحكم , وقد جاء نص المادة (118) من نظام المرافعات الشرعية مع اللائحة التنفيذية بالصيغة التالية :

( إذا كان للشاهد عذر يمنعه عن الحضور لأداء شهادته فينتقل القاضي لسماعها أو تندب المحكمة أحد قضائها لذلك، وإذا كان الشاهد يقيم خارج نطاق اختصاص المحكمة فتستخلف المحكمة في سماع شهادته محكمة محل إقامته .

118 / 1 – يرجع في تقدير العذر المانع من حضور الشاهد إلى ناظر القضية .

 118 / 2 – يكون الندب والاستخلاف لسماع الشهادة كما سبق بيانه في لائحة المادة ” 98 ” ) .

 لكن ماذا لو أن الشاهد أمتنع  عن القدوم للشهادة  رغم تكليفه وتبلغه ؟

لم تعالج نصوص الشهادة في نظام المرافعات الشرعية هذه الحالة , وحبذا لو أنها فعلت , سيما وان أداء الشهادات واجبة على الملكف لقوله تعالى (ولا يأبى الشهادة إذا ما دعوا ) , وكذلك قوله تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها منكم فأنه آثم قلبه ) . وقد أخذت معظم التشريعات العربية في قوانين مرافعاتها بالأخذ على  الشاهد بحال أمتناعه عن الحضور , بأن يتم تحرير مذكرة  للشاهد للحضور الى المحكمة على ان يكون تبليغها للشاهد قبل موعد الجلسة بأربع وعشرين ساعة على الأقل , فإذا لم يحضر حكمت عليه المحكمة بغرامة , وللقاضي أن يصدر بحق الشاهد مذكرة إحضار عن طريق الشرطة لإجباره على الحضور لأداء الشهادة مع إعطاء الأمر للشرطة بإخلاء سبيله في حال أبدى أستعداده للحضور للمحكمة .

                       المبحث التاسع : بدء سماع شهادة الشهود :-

اذا حضر الشهود لأداء شهادتهم ومثلوا أمام المحكمة , فان المحكمة تستمع الى شهادة كل شاهد على حده وبحضور الخصوم طرفي الدعوى , ولكن دون حضور باقي الشهود , والحكمة من ذلك هو ان لا يطلع كل شاهد على شهادة الآخر مما قد يؤثر على شهادته التي يريد أن يدلي بها ويتجه به إلى تأييد شهادة من سبقه او العكس دون أن يكون ذلك هو ما وقر في ضميره وذاكرته عن الواقعة التي يشهد عليها, وحضور طرفي الدعوى جلسة الإستماع إلى شهادة الشهود أمر ضروري خصوصاً الخصم الذي طلب شهادة هؤلاء الشهود وكذا الخصم الآخر حتى يكون  في إمكانه تنبيه المحكمة إلى ما ورد في شهادة الشاهد من طعون في شهادته أو في الشاهد نفسه .

غير انه اذا تغيب الخصوم عن  الجلسة المحددة لسماع الشهود فان ذلك لا يمنع المحكمة من سماع شهادة الشهود الذين حضروا  بغيابهم ويتم ضبط شهادتهم , ويحق للخصم المشهود عليه أن يطلب الإطلاع على شهادة الشاهد التي أستمعت إليه المحكمة في غيابه في الجلسة السابقه, ويمكن للمحكمة عندئذ أن تتلو عليه شهادة الشاهد المذكور .

ومن نافلة القول إن الشهود إذا كانوا من النساء فإن المحكمة تقوم بالتفريق بين كل أثنتين منهن سوية , حسب النصاب الشرعي  لشهادة النساء في ذلك , وتقوم بالإستماع لشهادة كل أثنتين منهن معاً.

وعند حضور الشاهد لاول مرة لأداء شهادته يسأله ناظر القضية  عن أسمه الكامل  وعمره ومهنته ومكان إقامته وفيما إذا كان له علاقه بالخصوم من قرابة او عداوة أو إستخدام وغيرها على أن يتأكد القاضي من مطابقة المعلومات التي يدلي بها الشاهد مع بطاقته الشخصية التي يطلبها من الشاهد وتكون بيده, وبعد ذلك يطلب منه القاضي أن يدلي بشهادته عما يعرفه من الوقائع موضوع الدعوى .

وقد  نصت المادة(119) من نظام المرافعات الشرعية على الإجراءات التي سبق شرحها وقد جاء النص مع اللائحة التنفيذية بالصيغة التالية :

تسمع شهادة كل شاهد على انفراد بحضور الخصوم وبدون حضور باقي الشهود الذين لم تسمع شهادتهم على أن تخلفهم لا يمنع من سماعها، وعلى الشاهد أن يذكر اسمه الكامل وسنه ومهنته ومحل إقامته وجهة اتصاله بالخصوم بالقرابة أو الاستخدام أو غيرها إن كان له اتصال بهم مع التحقق عن هويته .

119/1- إذا كان الشهود نساء فيتم التفريق بين كل اثنتين منهن سوياً .

119 / 2 – إذا حضر الشاهد في الجلسة المحددة لسماع شهادته ولم يحضر الخصم المشهود عليه فيتم سماع شهادته وضبطها، وتتلى على الخصم إذا حضر في جلسة تالية .

119 / 3 – يشار إلى مهنة الشاهد وسنه ومحل إقامته وجهة اتصاله بالخصوم في الضبط دون الصك ، أما اسمه الكامل فيذكر في الضبط والصك .)

ويلاحظ ان نظام المرافعات الشرعية السعودي قد خلا من النص على ضرورة أن يقوم الشاهدبحلف يمين الشهادة أمام القاضي

ناظر القضية قبل ان يقوم بأداء شهادته بالقضية بخلاف ما أخذت به أغلبية قوانين المرافعات في الدول العربية.

                          المبحث العاشر : أداء الشهادة ومناقشتها :-

من المعلوم إن شهادة الشهود يتم تأديتها أمام القضاء شفاهةً ووجهاً لوجه امام القاضي ناظر الدعوى , وذلك حتى يتيقن القاضي ناظر القضية من هيئته وحاله وطريقة شهادته إنه إنما يشهد بالحق , اذ إن الشاهد الذي يكذب  لابد أن يظهر على هيئته ما يدل أو ينبىء عن عدم قوله الحقيقة وهو أمر متروك تقديره للقاضي ناظر الدعوى بان  يقنع بشهادة الشاهد أو أن يأخذ منها حسب ما يستقر في وجدانه من صدق الشاهد او عدمه, وعليه فأنه لا يجوز للشاهد أن يستعين في أداء شهادته بمذكرات مكتوبه ويجب عليه ان يعتمد على ذاكرته وما يعرفه عن الوقائع المراد إثباتها بالدعوى , غير إن الاستثناء على ذلك إن للقاضي ناظر الدعوى أن يسمح للشاهد في حالات معينة أن يستعين بمذكرات مكتوبه اذا استدعت شهادته طبيعة خاصة مثل إحتواءها على أرقام معينه أو مبالغ أو تواريخ محددة وهي من الأمور الدقيقه التي قد تكون في الواقعة المشهود عليها ولا يستطيع الإنسان في الأحوال العادية أن تكون حاضرة في ذاكرته.

وعندما يؤدي الشاهد شهادته فان للخصم المشهود عليه أن يبين للقاضي ناظر الدعوى ما أعترى شهادة هذا الشاهد من أوجه للطعن سواء كانت هذه الطعون تنصب على الشاهد نفسه أو على شهادته نفسها. وهو ما نصت عليه المادة (120) من نظام المرافعات الشرعية بقولها :

(تؤدى الشهادة شفوياً ولا يجوز الاستعانة في أدائها بمذكرات مكتوبة إلا بإذن القاضي وبشرط أن تسوغ ذلك طبيعة الدعوى، وللخصم الذي يؤدى الشهادة ضده أن يبين للمحكمة ما يخل بشهادة الشاهد من طعن فيه أو في شهادته ) .

ونحن نرى أن هذا الأمر يختلف عن قيام الخصوم بمناقشة الشاهد بشهادته  أذ ان الأمر في هذه الحالة لا يتعدى مجرد وضع القاضي ناظر القضية بصورة الطعون التي تطول الشاهد نفسه أو شهادته التي يمكن للمحكمة ان تأخذ بها أو لا تأخذ , ولا يصل الى إعطاء الخصوم حق مناقشة الشاهد في شهادته .

وبعد أن يدلي الشاهد بشهادته حسب ما تم بيانه , فان للقاضي أن يوجه لهذا الشاهد ما يراه من الاسئلة والاستفسارات بخصوص شهادته التي أدلى بها وسواء كان ذلك من تلقاء نفسه أو بناءاً على طلب أحد الخصوم, كما أن للخصوم أن يقوموا بتوجيه أي سؤال للشاهد بواسطة القاضي ناظر القضية يتعلق بالواقعة المشهود عليها , غير أن القاضي أذا رأى إن السؤال غير منتج وليس له علاقة بالواقعة المشهود عليها أو بموضوع الدعوى فإن له أن يرفض توجيه السؤال إلى الشاهد, فقد نصت المادة( 121) من نظام المرافعات الشرعية ولائحته الشرعيه على ما يلي:

(  للقاضي من تلقاء نفسه أو بناءً على طلب أحد الخصوم أن يوجه للشاهد ما يراه من الأسئلة مفيداً في كشف الحقيقة وعلى القاضي في ذلك إجابة طلب الخصم إلا إذا كان السؤال غير منتج.

121 / 1 ـ يرجع في تقدير كون السؤال منتجاً أو غير منتج إلى نظر القاضي ).

ويلاحظ إن المادة المذكورة لا تعطي للخصوم حق مناقشة الشاهد بشهادته بشكل مطلق بل جعلت للخصوم الحق في توجيه الاسئلة الى الشاهد بواسطة المحكمة التي لها حق تقدير تعلق السؤال بموضوع الدعوى من عدمه , ولها ان ترفض توجيه السؤال على ضوئه دون إعطاء حق الإعتراض للخصوم .

ومن الجدير بالذكر ان المحكمة تقوم بضبط شهادة الشاهد كما نطق بها وباللفظ الذي أستعمله وبصيغة المتكلم , على أن تقوم المحكمة بإثبات الإسئلة التي تم توجيهها الى الشاهد  وأجوبته عليها في ضبط القضية بدون تغيير وبشكل مطابق لما نطق بها , وإذا حصل ان أحتوت شهادة الشاهد على غموض في واقعه معينة  أو إجمال واختصار فيها بحيث لا يفهم المقصود منها فأن على القاضي ناظر القضية ان يسأل الشاهد عن هذا الأمر ويطلب منه ان يقوم بتوضيحه وتفسيره , 

وبعد إنتهاء الشاهد من الإدلاء بشهادته بالشكل الأكمل تتم تلاوتها عليه حسب ما تم ضبطها , وللشاهد اذا راى إن في شهادته المضبوطة والتي يتم تلاوتها عليه ما يستدعي منه التوضيح , فله أن يطلب إدخال هذا التعديل إلى شهادته فيتم إدخال هذا التعديل في نهاية شهادته , ويقوم الشاهد بالتوقيع على شهادته المضبوطة مع التعديل الذي أدخله إن وجد , وكذا يقوم القاضي بالتوقيع على ضبط الشهادة مع الشاهد .

وهو ما نصت عليه المادة (123) من نظام المرافعات الشرعية ولائحته التنفيذيه كما يلي:

( تثبت شهادة الشاهد وإجابته عما يوجه له من أسئلة في دفتر الضبط بصيغة المتكلم دون تغيير فيها ثم تتلى عليه وله أن يدخل عليها ما يرى من تعديل ويذكر التعديل عقب نص الشهادة مع توقيعه وتوقيع القاضي عليه .

123 / 1 –  يراعى في تدوين شهادة الشاهد أن تكون مطابقة لما نطق به .

123 / 2 –  إذا حصل إجمال أو إبهام في شهادة الشاهد فعلى القاضي أن يطلب من الشاهد تفسير ذلك ) .

التوصيات والملاحظات

1-  لم يمنح نظام المرافعات الشرعية للخصوم حق مناقشة الشهود في شهادتهم بشكل مباشر ومطلق وأكتفى بإعطاء الخصوم حق توجيه الإسئلة الى الشهود بواسطة القاضي ناظر القضية الذي له ان يقدر إنتاجية السؤال من عدمه في الدعوى

 2-  لم ينص نظام المرافعات الشرعية على ضرورة تحليف الشاهد اليمين النظامية قبل إداءه الشهادة كما هو معمول به في معظم قوانين المرافعات وحبذا لو يتدارك المشرع هذه النقطة لأهميتها القصوى

 3-   حسب نظام المرافعات الشرعية فأنه من الممكن أثبات عكس ما هو ثابت بالكتابة بين الخصوم , وهذا يشمل عقود البيع والشراء والمداينات وقروض الشركات وغيرها وسواء كان التصرف مدني أو تجاري , وهو بذلك يخالف ماهو مأخوذ به في معظم قوانين الاثبات بانه لا يجوز دحض ما هو ثابت بالبينة الخطية الا ببينة خطية مثلها أو بما هو أقوى منها  , رغم كونها إحقاقاً لوجوب الكتابة بالمداينات بقوله تعالى (إذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فأكتبوه)

 4-  لم يقم نظام المرافعات الشرعية بتحديد نصاب معيّن في الأمور المالية بحيث  لا يجوز الأثبات بما يزيد على هذا النصاب بشهادة الشهود حسب ما هو معمول به في قوانين الأثبات في بعض الدول

 5-  لم يحدد نظام المرافعات الشرعية بعض الحالات التي يمتنع بها سماع شهادة الشاهد مثل الموظفون العامون والمحامون والوكلاء والأطباء بما وصل إلى علمهم بحكم عملهم وكذا الأمر إفشاء بعض الأمور الخاصة بين الزوجين دون رضا الطرف الأخر أثناء قيام الزوجية , لأن المضار التي تنتج عن إفشاء المعلومات أكبر وأولى بالحماية من المنفعة التي ستجلبها الشهادة

 6-  لم ينص نظام المرافعات الشرعية على عدم جواز الجمع بين صفة الشاهد والقاضي وكذا بين صفة الشاهد وكاتب الضبط

 7-  لم يعالج نظام المرافعات حالة أمتناع الشاهد عن الحضور رغم تبلغه وتكليفه بالشهادة.

وفي الختام أرجو من الله أن أكون قد وفقّت فيما طرحته في هذا البحث وأن يكون قد أضاف شيئاً  يهّم  الباحثين القانونيين فإن أصبت فلي أجران عند الله سبحانه وإن أخطأت فلي أجر, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين , والحمد لله رب العالمين.

                        ******* والله من وراء القصد ********

المراجع :

1 – مجلة الأحكام الشرعية, تأليف أحمد بن عبدالله القاري طبعة أولى 1981.

2- الموسوعة الفقهية ,ج26, وزارة الاوقاف والمقدسات الاسلامية.

3- أحكام المرافعات قي الفقه الإسلامي , د. حميدان بن عبدالله الحميدان.

4- مدى صلاحية الشهادة في الإثبات ,رسالة,  د فيحان المطيري.

5- أدلة الإثبات في الفقه الإسلامي ,د. أحمد فراج حسين.

6- رسالة الإثبات , ج1, د. أحمد نشأت .

المستشـار القانونى

رأفـت خليـل البهــادلة

السعودية – الخبر

المحامي الناجح.. قوة وذكاء

Posted on

هو ممثل للعدالة على الأرض.. مهمته أن يعيد الحقوق لأصحابها وينصر المظلوم ويقف معه حتى يحصل على حقوقه كاملة.. أن تكون محامياً أمر يظنه الكثيرون سهلاً.. حيث يمكن دراسة مهنة المحاماة وممارستها بعد أخذ الشهادة الجامعية.. لكن أن تكون محامياً ناجحاً.. هنا الأمر الصعب.. فليس كل محامي هو محامي ناجح ومتفوق في مهنته.. وهنا نسأل.. ماهي صفات المحامي الناجح؟.. وكيف يمكن لأي محامي أن يكون ناجحاً ومحبوباً بين موكليه؟..
من هو المحامي؟
المحامي هو لقب يطلق على من أجيز له ممارسة مهنة المحاماة بناء على القوانين المعمول بها، المهام الأساسية للمحامي تتمثل في التمثيل والدفاع والمساعدة القانونية لمن يطلب ذلك مقابل مبلغ مالي أو تطوعاً. ولذلك، فإن مهنة المحاماة مهنة شاقة تحتاج إلى مجهود كبير.
صفات المحامي الناجح
كما ذكرنا فإنه يمكن للكثيرين أن يحصلوا على شهادة جامعية تجيز لهم ممارسة مهنة المحاماة، لكن ليس كل واحد من هؤلاء يحمل صفة “الناجح”، فمن هو المحامي الناجح؟..
1- المحامي الناجح حالته الرئيسية داخلية ومن خلالها يتعامل مع الأمور وفقاً لما يمليه عليه حدسه. أما الحالة الثانوية فهي خارجية حيث يتعامل ويقرر وفقاً لشعوره وعاطفته أو ما يتناسب مع قيمه الشخصية. وهو شخصية لطيفة، تهتم بالناس من حولها، معقدة، وله حس بالحدس غالباً ما يصيب. وأيضاً فنان ومبدع، يعيش في عالم من المعاني المخفية والإحتمالات.
2- يولي المحامي الناجح اهتماماً كبيراً بوضع الأشياء في محيطه بشكل مرتب ومنظم. وهو يولي أيضاً يضع الكثير من الجهد في اكتشاف آلية ونظام لإنجاز الأمور، وبشكل مستمر يضع ويعيد ترتيب أولويات حياته. وعلى النقيض، في تفكيره المحامي الناجح يتبع أسلوب عفوي ويستخدم بديهته وحدسه. فهو يتعرف ويفهم الأشياء بشكل بديهي، ودون أن تكون له معرفة سابقة أو دون أن يعرف الكيفية التي توصل للفهم من خلالها.
3- غالباً ما يكون مصيباً، وهو يعرف ذلك. ونتيجة لذلك، يثق ويعتمد كثيراً على حدسه وغريزته في العمليات التي يقوم بها.
4- المحامي الناجح يمتلك قوة غير طبيعية في التوقع والحدس عندما يتعلق الأمر بالناس والأشياء. غالباً ما يشعر بأن شيء ما حصل أو يحصل لشخص قريب. بعض الأحيان لا يفهم هذا الشعور، وقد لا يستطيع التعبير عنه. وبالتالي، معظم المحامين الناجحين يكونون منطوين على أنفسهم، ويشاركون الآخرين ما يرغبون بمشاركته فقط. فهو شخصية عميقة ومعقدة، غالباً ما يكون فريداً ويصعب فهمه على الآخرين. ويختار أن يتحفظ على جزء من ذاته ويرى من قبل الآخرين على أنه غامض.
5- على قدر التعقيد في شخصيته نجد كذلك اللطافة، فالمحامي الناجح يحتفظ بمكان خاص في قلبه للناس الذين يختارهم، هؤلاء غالباً ما يكونون قد رأوا عمق المحبة والإخلاص الذي يمتلكه المحامي. وهو يهتم بمشاعر الناس، ويحاول أن يكون لطيفاً ويتجنب جرح مشاعرهم. وهو حساس للغاية تجاه الخلافات والصراعات، ولا يمكن التسامح أو التعامل معها بشكل جيد. في حالات الصراع قد تدفع المحامي المسالم إلى حالة من الهجوم والغضب. طبيعة المحامي الناجح تجعله ينقل حالات الشد والخلافات إلى داخل جسده، مما قد يؤدي إلى إصابته بمشاكل صحية عندما يكون تحت الكثير من الضغوطات.
6- هو شخص مهما بلغ حداً من الكمال، دائماً يرى أن هناك المزيد مما كان يمكنه بلوغه. ونادراً ما يشعر بالرضا عن نفسه، يشعر أن هناك الكثير مما يجب عمله لتحسين وضعه والمجتمع من حوله. وهو يؤمن بالتطوير المستمر، ولا يتوقف ليتذكر وينظر للإنجازات التي حققها في حياته. لديه نظام للقيم والعادات التي يؤمن بها، ويعيش حياته وفقاً لما يراه صواباً. من جانب عاطفته، المحامي الناجح بعض الأحيان يكون لطيف وسهل المعاشرة. ولكن، لديه توقعات عاليه من نفسه ومن عائلته، وهو لا يرضى بأقل من المثالية له ولعائلته.
7- المحامي الناجح بطبيعته راعي، صبور، خدوم، ومدافع. هذه الصفات تجعل منه والداً محباً وغالباً ما يكون على علاقة قوية مع أبناءه. لديه توقعات عالية من أبنائه، ويدفعهم دائماً لأن يكونوا الأفضل دائماً. هذا يمكن أن يتضح من كونه شخصية عنيدة وصعبة المراس. ولكن بشكل عام، أبناء المحامي الناجح يتلقون تكريس وتوجيه خالص من والدهم، إلى جانب اهتمام عميق بهم.
8- في مكان العمل، يبرز المحامي الناجح في المواقع التي يمكن أن يكون فيها مبدعاً ويعمل بإستقلالية. لديه حس فني بطبيعته، وبعض المحامين يبرزون في مجال العلوم البحته يفيدهم في هذا المجال استخدامهم للحدس.
9- إنسان موهوب بعدة أشياء لا يمتلكها الأشخاص من الشخصيات الأخرى. الحياة ليست سهلة له، ولكنه يمتلك شعور عميق وإنجازات شخصية سيتمكن من بلوغها في حياته.
كيف تكون محامياً ناجحاً؟
لتكون محامياً عليك أن تحصل على شهادة جامعية وشهادة تدريب على أعمال المحاماة، أما لتكون محامياً ناجحاً فأنت بحاجة لتتحلى بالصفات التالية:
1- الاقناع: على المحامي الناجح أن يملك القدرة على إقناع الآخرين بوجهة نظره، ووجهة نظر موكله وزبائنه للأمور، فالمهنة بالأساس تتعلق بموهبة إيصال الفكرة ببساطة إلى الطرف الآخر، إن كان القاضي أو الخصم، مع تدعيمها بالحجج التي تكفل الإقناع، أو على الأقل التسبب في إرباك الخصم أو القاضي بتصوره للقضية، ومن لا يستطيع امتلاك هذه الموهبة، لا يستطيع أن يكون محامياً ناجحاً.
2- القدرة على التحليل: وهي من أهم الصفات، فالقدرة على تحليل الوقائع وقراءة الأحداث وفهمهما، تساعد المحامي على الوصول للقواعد القانونية التي يمكن تطبيقها على هذه الأحداث، وهي تساعد بالنتيجة للفهم الجيد .
3- القدرة على التركيز العالي: وتعني أن يستطيع البقاء يقظاً على محور قضيته، حتى يستطيع الوصول إلى نقطة ضعف الخصم أو نقطة قوته، وبالتالي يستطيع التعاطي معها، وقد يحتاج منه ذلك الكثير من الوقت والجهد .
4- التمكن من اللغة والقدرة على تطويرها: تخيل أن يكون المحامي غير قادر على فهم المعاني، أو لا يمتلك القدرة على صياغة الجمل، فكيف يستطيع أن يقوم بإيصال فكرته للآخرين، فعلى المحامي المتمكن تطوير لغته والعمل بجهد عليها، والبحث عن المعاني والأسلوب، والابتعاد عن الأخطاء الإملائية، حتى يتمكن من كتابة مرافعاته ودعاويه بصورة سهلة ومقنعة، تصل إلى قارئها وتجعله يقتنع بها، وقد انتبهت العديد من كليات القانون لهذا الأمر، فأصبحت تدرس مسابقات اللغة ضمن برامجها ومنذ السنة الأولى للدراسة.
5- الصبر والقدرة على تحمل الضغوط: يخضع المحامي للكثير من الضغوطات في عمله، إن كانت بسبب الوقت، أو كثرة العمل، أو لظروف جديدة تطرأ على قضيته قد تؤثر على سيرها، فعليه أن يتحلى بالصبر وأن يستطيع التعامل مع هذه الظروف، وخاصة أنها قد تضطره للعمل لساعات طويلة، مسببة الإرهاق والتعب.
6- البصيرة: وهي أن يستطيع النظر إلى ما خلف الظاهر وأن يرى أمور قد لا يستطيع خصمه أو حتى موكله أن يراها، وأن يظهرها في الوقت المناسب، أو يغض الطرف عنها بما تقتضيه مصلحته.
7- حضور الذهن وسرعة البديهة: قد يتعرض المحامي وفي بعض الأحيان أثناء حضوره جلسات القضايا لمواقف محرجة، فيجب أن تكون بديهته حاضرة وقادر على إخراج نفسه منها، كما ويجب أن يكون قادراً على انتهاز الفرص إن حصلت.
8- القدرة على التعامل مع الآخرين: المحامي رجل عام، فهو يقوم بالتعامل مع الكثير من الأشخاص في نفس القضية، بداية من موكله، إلى خصمه ووكيله، إلى القاضي الذي ينظر في القضية، الشهود، والخبراء وغيرهم، لذا عليه التدرب والتعلم كيفية التعامل مع كل هؤلاء.
9- الخطابة والإلقاء: على المحامي تعلم القدرة على الإلقاء، هل يمكن أن نتصور أن يتلعثم المحامي إثناء إلقاء مرافعته؟

الجعالة (مفهومها – أركانها – أحكامها)

Posted on Updated on

الجعالة

(مفهومها – أركانها – أحكامها)

 

لغة: الجُعل – بالضم -: الأجر، يقال‏:‏ جعلت له جُعلًا، والجِعالة بكسر الجيم – وبعضهم يحكي التثليثَ -: اسمٌ لما يجعل للإنسان على فعل شيء‏.

 

والجَعيلة مثال كريمة لغة في الجعل، وعرَّفها المالكية‏:‏ بأن يجعل الرجلُ للرجل أجرًا معلومًا، ولا يَنقُده إيَّاه؛ على أن يعمل له في زمن معلوم أو مجهول، مما فيه منفعة للجاعل، على أنه إن أكمل العمل كان له الجُعل، وإن لم يتمَّه فلا شيء له، مما لا منفعة فيه للجاعل إلا بعد تمامه‏.‏

 

وعرَّفها الشافعية‏:‏ بأنها التزامُ عوض معلوم، على عمل معيَّن معلوم، أو مجهول يَعسُر ضبطه‏.‏

 

وعرَّفها الحنابلة‏:‏ بأنها تسميةُ مال معلوم لمن يعمل للجاعل عملًا مباحًا، ولو كان مجهولًا، أو لمن يعمل له مدة ولو كانت مجهولة‏[2].

 

و قد عرَّفها المالكية[3]: بأنها الإجارة على منفعةٍ مظنون حصولُها؛ مثل قول القائل: مَن ردَّ عليَّ دابَّتي الشاردة، أو متاعي الضائع، أو بنى لي هذا الحائط، أو حفر لي هذا البئر حتى يصل الماء، أو خاط قميصًا أو ثوبًا – فله كذا.

 

صيغتُها أو لفظها أن يقول: مَن ردَّ لُقطتي، أو ضالَّتي، أو بنى لي هذا الحائط، فله كذا، فمن فعل ذلك استحقَّ الجُعْل[4].

 

شرعًا: التزام عوضٍ معلوم، على عمل معين، بقطع النظر عن فاعله.

مثاله أن يقول: مَن وجد سيارتي المفقودة، فله ألف ريال[5].

 

أدلتها: الجعالة هي عوضٌ معلوم، يؤخذ على ردِّ الضالة[6]، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ [يوسف: 72]؛ ولأن الحاجة قد تدعو إليها[7].

 

ودليلها من السنة النبوية حديثُ اللَّديغ، وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد: أنهم نزلوا على حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأَبَوْا، فلُدِغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، فأتوهم فقالوا: هل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن واللهِ لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فصالحوهم على قطيع غنم، فانطلق ينفُث ويقرأ عليه، ويقرأ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، فكأنما نُشِط من عِقال، فأَوفَوهم جُعلهم، وقَدِموا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فذكروا له ذلك، فقال: ((أصبتم، اقتسموا، واجعلوا لي معكم سهمًا))[8].

 

فمن عمل العمل الذي جعلت عليه الجعالة بعد علمِه بها، استحقَّ الجعل؛ لأن العقد استقرَّ بتمام العمل، وإذا قام بالعمل جماعة، اقتسموا الجُعل الذي عليه بالسَّوية؛ لأنهم اشتركوا بالعمل في العمل الذي يستحقُّ به العوض، فاشتركوا في العوض، فإن عمل العمل قبلَ علمه بما جُعل عليه، لم يستحقَّ شيئًا؛ لأنه عمل غير مأذونٍ؛ فلم يستحق به عوضًا، وإن علم بالجعل أثناء العمل، أخذ من الجعل ما عمله بعد العلم[9].

 

والواقع والعقل يؤيِّدان قول جمهور العلماء، فالحاجة تدعو إلى الجعالة، مِن ردِّ ضالة أو آبقٍ ولا يقدر عليه صاحبُه، فجاز بذلُ الجعل؛ كالإجارة والمضاربة، إلا أن جهالة العمل والمدة لا تضرُّ، بخلاف الإجارة؛ لأن الجعالة غير لازمة، والإجارة لازمة، وتَفتقر إلى تعيين المدة[10].

 

أركانها:

• الصيغة.

• العاقدان

• العمل.

• الجعل.

 

أحكام متعلِّقة بالجعالة:

1- الجعالة عقدٌ جائز لكل من الطرفين فسخُه، فإن كان الفسخ من العامل، لم يستحق شيئًا من الجعل؛ لأنه أسقط حقَّ نفسه، وإن كان الفسخ من الجاعل، وكان قبل الشروع في العمل، فللعامل أجرةُ مثل عمله؛ لأنه عمله بعوض لم يسلم له.

 

2- أن يكون العمل مباحًا، فلا تصح على محرَّم؛ كغناء، أو صناعة خمر، أو نحوهما.

 

3- ألا يُوقَّت العمل بوقت محدد، فلو قال: من رد جملي إلى نهاية الأسبوع فله دينار، لم يَصحَّ[11].

 

4- أهلية التعاقد: يشترط عند الشافعية والحنابلة في الجاعل مالكًا كان أو غيره أن يكون مُطلق التصرف؛ (بالغًا، عاقلًا، رشيدًا)، فلا يصحُّ من صبيٍّ، ومجنون ومحجور سفه، وأما العامل: فإذا كان معينًا، اشترط فيه أهليَّة العمل؛ فلا يصح كونه عاجزًا عن العمل؛ كصغير لا يقدر على العمل؛ لأن منفعتَه معدومة، وإن كان غير معين مبهمًا، كفى علمُه بإعلان النداء على الجعل، وتصحُّ الجعالة عند المالكية والحنفية من المميِّز، أما التكليف فهو شرط لزوم[12].

 

مسائل متعلقة بالموضوع:

الزيادة والنقص في الجعل: يرى الشافعيَّة والحنابلة[13] أنه يجوز للمالك الجاعل أن يزيد أو ينقص من الجعل؛ لأن الجعالة عقد جائز غير لازم، فجاز فيه ذلك كالمضاربة، إلا أن الشافعية أجازوا ذلك قبل الفراغ من العمل، سواء أكان قبل الشروع أم بعده، كأن يقول: من ردَّ متاعي الفلاني فله عشرة، ثم يقول: فله خمسة، أو بالعكس، وتظهر فائدة ذلك بعد الشروع في العمل، فتجب حينئذٍ أجرةُ المثل؛ لأن هذا التعديل بالزيادة أو النقص فسخ للإعلان السابق، والفسخ من المالك يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل، وقيد الحنابلة هذا التعديل بما قبل الشروع في العمل؛ فيجوز، ويُعمَل به.

 

حكم اختلاف المالك والعامل: إذا حدث اختلاف بين المالك والعامل، فأيهما يصدق بيمينه؟ في الأمر تفصيل[14]:

إن اختلفا في أصل اشتراط الجُعل؛ بأن أنكره أحدهما، فيصدق المنكر بيمينِه، كأن يقول العامل: شرَطْتَ لي جعلًا، وأنكر المالك، صدق المالكُ بيمينه؛ لأن الأصل عدم اشتراط الجعل، وإن اختلفا في نوع العمل كردِّ السيارة الضائعة، أو المتاع الضائع، أو اختلفا فيمن قام بالعمل، يصدق صاحب العمل بيمينه؛ لأن العامل يدَّعي شيئًا، والأصل عدمُه، فيصدق المنكر بيمينه.

 

وكذلك يصدق المنكر إن اختلفا في سَعْيِ العامل، بأن قال المالك: لم تردَّه، وإنما رجع بنفسه، يصدق المالك؛ لأن الأصل عدم الرد.

 

وإن اختلفا في قدر الجُعل أو في قدر المسافة أو المكان المحدد لوجود الضائع، فقال المالكية والشافعية: تحالف الطرفان[15]، وفسخ العقد، ووجب أجرةُ المثل، كما لو اختلفا في عقد الإجارة.

 

وقال الحنابلة: القول قول المالك بيمينه؛ لأن الأصل عدمُ الزائد المختلف فيه؛ ولأن القول قوله في أصل العوض، فكذلك في قدره، كربِّ المال في المُضاربة؛ ولأنه منكِرٌ لما يدَّعيه العامل زيادةً عما يعترف به، والأصل براءته منه، ويحتمل أن يتحالفا كالمتبايعين إذا اختلفا في قدر الثمن، والأجير والمستأجر إذا اختلفا في قدر الأجر، فإن تحالفا فسخ العقد، ووجب أجرُ المثل.

 

أوجه الاختلاف بين الجعالة والإجارة[16]:

تختلف الجعالة عن الإجارة من خمسة وجوه؛ وهي:

1- تصحُّ الجعالة مع عامل غير معين، ولا تصحُّ الإجارة من مجهول.

 

2- تجوز الجعالة على عمل مجهول، أما الإجارة فلا تصح إلا على عمل معلوم.

 

3- لا يشترط في الجعالة قبول العامل؛ لأنها تصرُّف بإرادة منفردة، أما الإجارة فلا بدَّ من قبول الأجير القائم بالعمل؛ لأنها عقد بإرادتين.

 

4- الجعالة عقد غير لازم، أما الإجارة فهي عقد لازم، لا يفسخها أحد العاقدين إلا برضا الآخر.

 

5- لا يستحق الجعل في الجعالة إلا بالفراغ من العمل، ولو شرط تعجيله فسدت، وفي الإجارة يجوز اشتراط تعجيل الأجرة.

 

فائدة: كلُّ ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال، جاز أخذه – أي: العوض – في الجعالة، وما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة؛ كالغناء، والزمر، وسائر المحرمات – لا يجوز أخذ الجعل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2][17].


[1] الوجيز في فقه المعاملات المالية؛ مثنى وعدالله يونس، 2016، ص: 90 وما بعدها.

[2] الموسوعة الفقهية الكويتية ص: 127.

[3] القوانين الفقهية: ص: 275، الشرح الكبير؛ للدردير: 60/4، بداية المجتهد: 2/ 232.

[4] عمدة الفقه على مذهب الإمام أحمد، تحقيق السيد بن أحمد يوسف، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة 2008 ص: 88.

[5] الفقه الميسر؛ لجمع من العلماء، طبعة مجمع الملك فهد، 1424، ص: 263.

[6] الراجح في تعريفها هو أن الجعالة شرعًا: التزام عوض معلوم على عمل فيه كلفة، ولو كان غير معين؛ انظر حاشية القليوبي على شرح المحلي (3/ 130).

[7] الفقه الميسر في العبادات والمعاملات؛ أحمد عيسى عاشور، دار الفرقان للطباعة ص: 219.

[8] متفق عليه: رواه البخاري (2276) كتاب الإجارة، ومسلم (2201) كتاب السلام.

[9] الملخص الفقهي؛ صالح بن فوزان آل فوزان، الجزء الأول 2008، ص: 369.

[10] الإفصاح عن معاني الصحاح على المذاهب الأربعة؛ للوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي، تحقيق: د. محمد يعقوب طالب عبيدي، الجزء الثالث، مركز فجر للطباعة – المكتبة الإسلامية بالقاهرة 1419 هـ، ص: 19.

[11] الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، مرجع سابق، ص: 263.

[12] موسوعة الفقه الإسلامي والقضايا المعاصرة؛ وهبة الزحيلي، المجلد الرابع، طبعة دار الفكر، 2010، ص: 582.

[13] مرجع سابق، ص: 585.

[14] المهذب في فقه الإمام الشافعي، لأبي إسحاق الشيرازي، تحقيق د. محمد الزحيلي، طبعة دار القلم – دمشق، الدار الشامية – لبنان، الجزء الثالث، ص: 573، كشاف القناع عن متن الإقناع؛ منصور بن يونس البُهوتي، طبعة دار الفكر، 1982، الجزء الرابع، باب الجعالة.

[15] الشرح الكبير: 4/ 64، مغني المحتاج: 2/ 434، المهذب: 1/ 412، المغني: 5/ 660 وما بعدها، موسوعة الفقه الإسلامي، مرجع سابق ص: 585.

[16] موسوعة الفقه الإسلامي والقضايا المعاصرة، مرجع سابق، ص: 586.

[17] كشاف القناع عن متن الإقناع، مرجع سابق، الجزء الرابع، باب الجعالة.

د. مثنى النعيمي

 

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/101477/#ixzz4GjQTNnxs

الرهن (مفهومه – أحكامه – أركانه – شروطه)

Posted on Updated on

الرهن

(مفهومه – أحكامه – أركانه – شروطه)

أولاً: مفهوم الرهن اللغوي والفقهي:

الرهن في اللغة: يُطلق الرهن في اللغة بمعنى الثبوت والدوام، كما يُطلَق على الحبس؛ فمِن الأول قولهم: نعمة راهنة؛ أي ثابتة ودائمة، ومِن الثاني قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38]؛ أي: محبوسة بكسبها وعَملها؛ بحيث يُمكن أخذ ذلك الدين أو أخذ بعضه من تلك العين.

 

وأما معناه الشرعي: فقد عرَّفه العلماء بأنه جعل عينٍ لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدَين، فإذا استدان شخص دَينًا من شخص آخَر وجعل نظر ذلك الدين عقارًا أو حيوانًا محبوسًا تحت يده حتى يَقضيه دينه، كان ذلك هو الرهن شرعًا[1].

 

المقصود منه: إن المقصود من الرهن هو بَيع العين المرهون عند الاستحقاق، واستيفاء الحق منها، فكل ما جاز بيعه جاز رَهنُه، ومُقتضاه أنه لا يجوز رهن ما لا يجوز بيعه[2].

 

فائدة:

إذا أقرض ذمي ذميًّا خمرًا ثمَّ أسلما أو أسلم أحدهما، بطل القرض ولم يَجب على المقترض شيء، سواء كان هو المُقترِض أم المُقرض؛ لأنه إذا أسلم لم يَجُز أن يجب عليه خمر لعدم ماليتها، ولا يجب بدلها؛ لأنه لا قيمة لها، ولذلك لا يَضمنها إذا أتلفها، وإن كان المقرض[3].

 

ثانيًا: مشروعية الرهن:

الرهن مشروع في الكتاب والسنَّة والإجماع:

الدليل على مشروعية الرهن من الكتاب؛ قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283].

 

و أما الدليل على مشروعية الرهن في السنة النبوية؛ فقد قال الإمام البخاري: “حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هِشام، حدَّثنا قتادة عن أنس – رضي الله عنه – قال: ولقد رهَن النبي – صلى الله عليه وسلم – درعه بشعير ومشَيتُ إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بخبز شعير وإهالة سنخة ولقد سمعتُه يقول: ((ما أصبَح لآلِ محمد – صلى الله عليه وسلم – إلا صاع، ولا أَمسى، وإنَّهم لتسعة أبيات))[4].

 

حدثنا قُتيبة، حدَّثنا جَرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: اشترى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مِن يهودي طعامًا ورهنَه درعَه[5].

 

الإجماع:

أجمعَ العُلماء على مشروعية الرهن ولم يَختلف في جوازِه ولا مَشروعيته أحد، وإن كانوا قد اختلفوا في مشروعيته في الحضَر.

 

ثالثًا: مشروعيته في الحضَر:

اختلف العلماء في مشروعية الرهن في الحضَر؛ فقال الجمهور: يُشرع في الحضَر، كما يشرع في السفر؛ لفعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – له وهو مُقيم بالمدينة، وأما تقيُّده بالسفر في الآية فإنه خرَج مخرَج الغالب؛ فإن الرهن غالبًا يكون في السفر.

 

فائدة:

قال ابن حجر – رحمه الله -: في قول البُخاري في التبويب للحديث في الحضر: “فيه إشارة إلى أن التقييد بالسفر في الآية خرَج للغالب، فلا مفهوم له لدلالة الحديث على مشروعيته في الحضر، وهو قول الجمهور، واحتجُّوا له من حيث المَعنى بأن الرهن شُرِع توثقةً على الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ [البقرة: 283]، فإنه يُشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق، وإنما قيَّده بالسفر؛ لأنه مظنَّة فقد الكاتب فأخرجَه مخرَج الغالب.

 

وخالف في ذلك مجاهد والضحاك فيما نقله الطبري عنهما فقالا: “لا يُشرَع إلا في السفر؛ حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر”.

 

وقال ابن حزم: إن شرَط المُرتهن الرهن في الحضر لم يكن له ذلك، وإن تبرَّع به الراهن جاز، وحمل حديث الباب على ذلك، والحديث حُجَّة عليهم.

 

قال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا خالف ذلك – “يعني الإجماع على مشروعية الرهن في “السفر والحضَر” – إلا مُجاهِدًا، قال: ليس الرهن إلا في السفَر؛ لأن الله – تعالى – شرط السفر في الرهن بقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283]، ولنا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – اشترى مِن يهودي طعامًا، ورهنَه دِرعَه، وكانا بالمدينة، ولأنها وثيقة تَجوز في السفر فجازت في الحضر كالضمان، فأما ذِكر السفر فإنه خرَج مخرَج الغالب؛ ليكون الكاتب بعدم السفر غالبًا، ولهذا لم يَشترط عدم الكاتب، وهو مذكور معه أيضًا.

 

أركان الرهن:

للرهان أركان خمسة هي: الراهن، والمرهون، والمرتهن، والشيء الذي فيه الرهن، وصفة عقد الرهن.

الركن الأول: فأما الراهن، فلا خلاف أن من صفته أن يكون غير محجور عليه من أهل السداد، والوصي يرهن لمَن يَلي النظر عليه إذا كان ذلك سدادًا، ودعت إليه الضرورة عند مالك.

 

واتَّفق مالك والشافعي على أن المُفلِس لا يَجوز رهنه، وقال أبو حنيفة: يَجوز، واختلف قول مالك في الذي أحاط المَدين بماله، هل يجوز رهنه؟ أَعني: هل يلزم أم لا يَلزم؟ فالمَشهور عنه أنه يجوز؛ أعني قبل أن يُفلِس.

 

الركن الثاني: وهو الرهن، قالت الشافعية:

يصحُّ بثلاثة شروط:

الأول: أن يكون عينًا؛ فإنه لا يَجوز أن يرهن الدَّين.

 

الثاني: أن لا يَمتنع إثبات يد الراهن المرتهن عليه كالمصحف؛ ومالك يُجيز رهن المصحف، ولا يقرأ فيه المرتهن، والخلاف مبنيٌّ على البيع.

 

الثالث: أن تكون العين قابلة للبيع عند حلول الأجل، ويجوز عند مالك أن يَرتهن ما لا يحلُّ بيعه في وقت الارتهان كالزرع والثمر لم يَبدُ صلاحُه، ولا يُباع عنده في أداء الدين إلا إذا بَدا صلاحه، وإن حلَّ أجلُ الدَّين، وعند الشافعي قولان في رهن الثمر الذي لم يبد صلاحه، ويُباع عنده عند حلول الدين على شرط القطع.

 

الركن الثالث: وهو الشيء المرهون فيه.

شروط الرهن:

أولاً: شروط الصيغة.

يُشترَط في الصيغة شروط خمسة:

1- الشرط الأول: موافَقة القبول للإيجاب.

 

2- الشرط الثاني: اتِّصال القبول بالإيجاب.

 

3- الشرط الثالث: عدم رجوع الموجب عن إيجابه قبل قَبول الآخَر.

 

4- الشرط الرابع: وضوح دلالة الإيجاب والقَبول، وعلم كل عاقد بما صدَر مِن الآخر وفهمه له.

 

5- الشرط الخامس: ألا يكون في الصيغة تعليق لعقد الرهن أو إضافة له إلى وقت.

 

ثانيًا: شروط المَرهون:

يشترط في المرهون خمسة شروط:

1- الشرط الأول: أن يُمكن بيعه عند حلول الأجل.

 

2- الشرط الثاني: أن يكون المرهون عينًا، لا دَينًا ولا منفعَة.

 

3- الشرط الثالث: أن يكون المرهون مقبوضًا للمُرتهن.

 

4- الشرط الرابع: صلاحية المرهون للثبوت يد المُرتهن عليه.

 

5- الشرط الخامس: أن يكون المرهون منفصلاً متميِّزًا عما ليس بمرهون.

 

ثالثًا: شروط المرهون به:

وهي خمسة شروط:

الشرط الأول: أن يكون المرهون به دينًا.

 

الشرط الثاني: أن يكون الحق ثابتًا؛ أي: موجودًا حال الرهن لا موعودًا به.

 

الشرط الثالث: أن يكون الدَّين لازمًا أو آيلاً إلى اللزوم.

 

الشرط الرابع: أن يكون المرهون به مما يُمكن استيفاؤه من الرهن.

 

الشرط الخامس: أن يكون المرهون به معلوم القدَر[6].

 

فوائد متَّصلة بالموضوع:

• يجوز للراهن أن يرهَن نصيبه من عين مشتركة بينه وبين غيره؛ لأنه يجوز بيع نصيبه عند حلول الدَّين، ويوفِّي الدَّين منه.

 

• يجوز رهن المبيع على ثمنه؛ لأن ثمنَه دَين في الذمة، والمَبيع ملك للمُشتري، فجاز رهنُه به، فإذا اشترى دارًا أو سيارةً مثلاً بثمن مؤجَّل أو حال لم يُقبَض، فله رهنه حتى يُسدِّد له الثمن.

 

• الانتفاع بالرهن حسب الاتفاق؛ فإن اتَّفقا على تأجيره أو غيره، جاز ذلك، وإن لم يتَّفقا بقي مُعطَّلاً حتى يفكَّ الرهن، ويُمكّن الراهن من عمل ما فيه إصلاح للرهن؛ كسقْي الشجر وتلقيحه ومُداواته؛ لأن في ذلك مصلحة للراهن.

 

• مؤنة الرهن؛ من طعامه، وعلف الدواب، وعمارته، وغير ذلك، على الراهن.

 

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

د. مثنى النعيمي

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/53229/#ixzz4GjPKftl5

اختيار علي بن أبي طالب أميرًا للمؤمنين نظرة سياسية تحليلية

Posted on Updated on

اختيار علي بن أبي طالب أميرًا للمؤمنين

نظرة سياسية تحليلية

 

أولًا: أهل الحل والعقد: يرشحون رئيسًا جديدًا للدولة الإسلامية:

بعد استشهادِ أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، سارع الصحابة الموجودون في مدينة رسول الله عاصمة الدولة الإسلامية – وهم الذين يمثلون أهل الحَلِّ والعَقْد – لاختيار رئيس جديد لهم، في ظل ظروف سياسية استثنائية، وجوِّ أزمة خانق، وكان حرصهم على اختيار رئيسِهم بأنفسهم كبيرًا، قبل أن ينجحَ المتمرِّدون القَتَلة والخارجون عن القانون في التأثير على الجو السياسي العام، فيختارون من هو ليس أهلًا للمهمة القادمة، والتي تمثل مهمة شاقة وعسيرة في ظل المناخ السياسي المتأزِّم والظروف الصعبة.

 

لم يكن الاختيار صعبًا؛ فمع أول مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، توجَّهت الأنظار مباشرة نحو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا يعني هذا عدمَ وجود مؤهَّلين لقيادة الأمة الإسلامية، فكبار الصحابة ما زالوا في أوج عطائهم؛ أمثال: سعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وعبدالله بن عمر، وطلحة بن عبيدالله رضي الله عنهم، ولكن عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه شيء آخر، فلقد كان بعض من المسلمين يرونه من المؤهلين للترشيح لرئاسة الدولة على مدى الفترة الزمنيَّة التي تلَتْ وفاة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ولعل ما كان يمنع ترأُّسَه رأسَ الهرم السياسي في الدولة في ذلك الوقت ثلاثةُ أسباب:

السبب الأول: وجود شخصيات كبيرة في المقام مثلما هي كبيرةٌ في القيمة وفي القرب من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، لا يمكن تجاوزها، أو القفز على أهميتها، وتجاوز مكانتها، أو غضُّ الطرف عنها؛ أمثال أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم.

 

السبب الثاني: صغرُ سن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نسبيًّا يوم وفاة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو يُعدُّ من جيل الشباب بعد شيوخ الإسلام، وكان من عادة العرب أنهم لا يتقبَّلون إمارة الشباب؛ لاعتقادهم بأنهم بحاجة للمزيد من الخبرة في الميادين كافة، سواء في أمور سياسة الناس أو في أمور الحرب، وحتى وإن قبِلوا فسيبقى في أنفسهم شيء قد يقلِّل من حجم الولاء للأمير وللدولة الإسلامية بشكل عام.

ولقد كان في هذا الأمر مصلحة كبيرة؛ فقد اكتسب علي بن أبي طالب رضي الله عنه المزيد من الخبرة العملية في هذا المجال.

 

السبب الثالث: أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنُ عمِّ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وزوجُ ابنته، وكان قد تربَّى في بيته؛ فهو قريب منه كابنه أو كأخيه الصغير، وكان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يقول لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((أمَا ترضى أن تكون مني بمنزلةِ هارون من موسى؟))[1]، فلم يُوَلَّ الخلافة حتى لا تصل للناس رسالةٌ مشوشة المضمون، مُفادها: أن الخلافة في الإسلام وراثيَّة من ناحية بيت أهل النبوة، وأن الأمر محصور في أقرباء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في حالة ترشيح علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد رسول الله مباشرة.

 

ثانيًا: لماذا عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه؟

والسؤال الذي يطرح نفسَه مثل كل مرة: ما هي المؤهلات والمواصفات التي دعَتْ أهلَ الحَلِّ والعَقد في الدولة الإسلامية لاختيار علي بن أبي طالب رضي الله عنه رئيسًا للدولة الإسلامية؟

 

لقد تمتَّع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمجموعة من المزايا الخاصة، التي جعلت منه الخيار الذي لا بديلَ له لرئاسة الدولة الإسلامية في هذه المرحلة، ومن تلك المزايا:

1- تاريخُه المشرِّف والنقي، والذي لم تَشُبْه شائبة، فقد كان من السابقين في الإسلام، فقد أسلم وهو ابن عشر سنين، ولكن لصغرِ سنِّه لم يُعد أول من أسلم من الرجال؛ لأن العلماء يرون أن البلوغ من شروط الإسلام، ولكنَّ صغرَ سنه هذا لم يمنعه من تقديم خدمات جليلة لقضيته، ومصاحبة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم من أول البعثة حتى مماتِه صلوات الله وسلامه عليه.

 

ورغم صغر سنه فإنه أول من أدَّى الصلاة مع نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، فكان رضي الله عنه يقول: ” أنا أول مَن صلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم”[2].

 

2- علمه الغزير وخصوصًا في القرآن الكريم، ومعرفته بأسباب النزول والتأويل، ما يعني معرفته لروح ما جاءت به النصوص القرآنية، التي تُمثل دستور المسلمين، وقد تميَّز بذلك وعُرف به، وهذا من الناحية السياسية يعني المعرفةَ التامة والخبرة والدراية الكافية بأحكام (دستور المسلمين)، وتفصيلات تلك الأحكام وأسبابها ومُرادها.

 

3- خبرته السياسية المتراكمة من جرَّاء مرافقة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم طيلة الفترة المكِّية ثم المدنيَّة والزواج من ابنتِه، وقبلها العيش في كنفِه وفي بيته، ثم اطِّلاعه على تجربة الدولة الإسلامية الناجحة في ظل أربعة رؤساء قبلَه؛ وهم: النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، ووجوده قريبًا منهم، وعمله كمستشارٍ مقرَّب تارة، أو كوزير ناصح تارة أخرى، ولم يكونوا ليستغنوا عن خبرته وإبداعه.

 

كما أنه كان المرشَّح الثاني بعد عثمان بن عفان رضي الله عنه في الستة الذين رشَّحهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه للرئاسة، أما وقد استُشهد عثمان رضي الله عنه، فلم يكن هناك مانعٌ شرعيٌّ ولا إداريٌّ ولا سياسيٌّ ليتولَّى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمور الدولة الإسلامية.

 

4- ممارستُه وظيفة القضاء على عهد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وتكليفه بهذه الوظيفة من النبي محمد صلى الله عليه وسلم شخصيًّا وشهادته له بالإمكانية والأفضليَّة في هذا المجال، ثم عملُه كمستشارٍ قضائيٍّ لدى أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، ووقوفه رضي الله عنه لكثيرٍ من أمور المنازعات والخلافات بين المسلمين – وفَّرت له فرصة مناسبة للاطِّلاع على واقع حال المواطنين في المجتمع الإسلامي، ونوع المشاكل التي تحصل لهم.

 

5- مواقفه المشهودة التي تتسم بالشجاعة والقوة، فقد كان من فتيان قريش الذين يُحسَب لهم ألف حساب، ويكفينا شاهدًا على شجاعته مبيتُه رضي الله عنه في بيت رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يوم هاجر النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنوَّرة، وشجاعته في تعريض نفسه للقتل نيابةً عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شكَّ أن هذا الموقف يحتاج إلى شجاعةٍ من نوع فريد، ومن حوادث التاريخ المشهودة: منازلتُه لصنديد العرب عمرو بن عبد وُدٍّ يوم الخندق في عام (5) للهجرة، يقول الحافظ الذهبي: “وخرج للمبارزةِ عمرو بن عبد ود، فبارزه عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقتَلَه”[3].

 

والشجاعة من المميزات المهمة التي ينبغي أن تتوفَّر في رئيس الدولة، سواء على مستوى مجابهة الصِّعاب والمخاطر، أو على مستوى اتِّخاذ القرارات الجريئة.

 

6- اتِّصافُه بالأمانة التي هي المحرك الرئيسي لعمل رئيس الدولة تجاه قضايا المواطن والدولة على حدٍّ سواء، ولقد ترك رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم الأمانات التي كانت بذمتِه عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لإيصالها إلى أهلِها يوم هاجر من مكة إلى المدينة، ولولا ثقةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بعليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمانته الكبيرة – ما كلَّفه بهذه المهمة الخطيرة والمهمة.

 

7- مشاركته في معظم غزوات ومَشاهد المسلمين مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فلقد كان في غزوة بدر، وأُحد، والخندق، والحديبية، وحُنين، وبقية المَشاهد، فأكسبَتْه هذه المشاركات الخبرةَ العسكرية اللازمة لقيادة جيوش المسلمين، والحكمة في التصرف في الأزمات.

 

8- ممارسته لدور القائد، وسياسة الناس ورياستهم على عهد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، سواء في الجانب السياسي المدني، أو في القيادة العسكرية؛ فأما ما يتعلَّق بالجانب السياسي، فلقد استعمَله رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أميرًا على المدينة المنورة عاصمةِ الدولة الإسلامية، يوم خرج إلى غزوة تبوك، كما استخلَفَه أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المدينة عندما قرَّر الخروج لحرب الفرس بعد معركة “البويب”.

 

وأما في القيادة العسكرية، فلقد أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الزعامةَ العسكرية يوم فتح خيبر، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: ((لأعطينَّ هذه الراية غدًا رجلًا يفتحُ الله على يديه، يحبُّ اللهَ ورسوله، ويحبُّه الله ورسوله))، قال: فبات الناسُ يدوكون ليلتَهم أيُّهم يُعطاها، فلما أصبح الناس غدَوْا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: ((أين عليُّ بن أبي طالب؟))، فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينَيْه، قال: ((فأرسِلوا إليه))، فأُتي به، فبصق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في عينَيْه، ودعا له، فبَرَأَ حتى كأنْ لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال عليٌّ: يا رسول الله، أقاتلُهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: ((انفُذْ على رِسْلك حتى تنزلَ بساحتهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما يجب عليهم من حقِّ الله فيه، فوالله لأَنْ يهديَ الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك من أن يكون لك حُمْر النَّعم))[4].

 

كما كان على رأس السَّرية التي بعثَها رسول الله محمد عام (6) هجرية إلى بني سعد بن بكر، فنجح نجاحًا متميزًا، وغنم منهم غنائم جيدة، وهرب العدو، وعاد علي رضي الله عنه بالسَّرية إلى المدينة منتصرًا غانمًا سالمًا.

 

9- أنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الصحابة المبشَّرين بالجنة؛ فعن عبدالرحمن بن عوف، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عشرةٌ في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعثمانُ في الجنة، وعليٌّ في الجنة، والزبير في الجنة، وطلحةُ في الجنة، وابنُ عوف في الجنة، وسعدٌ في الجنة، وسعيدُ بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة))[5]، ومن يبشِّرْه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بالجنة، يكنْ مأمونَ الجانب من الفتن، وعدم الارتداد، والثبات على المبدأ، وهذه خصوصيَّة ينبغي أن تتوفَّر في قائد الدولة.

 

10- أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قريش، بل هو من قلب قريشٍ وأعيانهم، فهو من بني هاشم، البطن القرشي المختار من الله تبارك وتعالى، وبذلك يتحقَّق الشرط الخاص بأن الخلفاء يكونون من قريش.

عبدالستار المرسومي

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/106456/#ixzz4GjKQYocc

المسئولية الجنائية عن جرائم الصحف فى النظام السعودي

Posted on Updated on

لما كان الهدف الأساسي للصحيفة هو إظهار الحقيقة وتعرية أجساد المخالفين والمنتهكين لحقوق أفراد الشعب ممن ينتمون لرجال الإدارة أو أفراد الشعب الذين يساهمون بطريقه غير سوية وغير أخلاقية في الاعتداء على المصالح الشخصية للأفراد أو المصالح العامة الوطن فإن وسيلتها في ذلك لا يجب أن تتعدى الحدود المرعية في كشف الحقيقة وكذلك يجب أن يتم ذلك في حدود القوانين والأنظمة وما يتطلباه من ضرورة توافر الأدلة الكافية حتى يكون النقض الموجه لهؤلاء الأشخاص مبنى على أدلة شرعية ووقائع قانونية لا تقبل الشك أو التخمين حتى لا تتعرض الصحيفة لجزاءات جراء تسرعها في عدم الاستيثاق من مصادر معلوماتها ومدى حجيتها القانونية .

فالصحيفة وان كانت تهدف لإصلاح المجتمع من الناحية الاقتصادية والسياسية والأخلاقية من خلال ما يعرض فيها من نقد للسلوكيات ومقالات لمتخصصين يعرضون فيها نظرتهم الموضوعية لهذه النواحي المهمة فإن ذلك مرتبط بضرورة تقيد الصحيفة بحدود الشرعية في كل ما يعرض فيها .
وعندما تنتهك الصحيفة هذه الحدود ففي هذه الحالة يحق لذوى الشأن التقدم للهيئات القضائية المختصة لمقاضاة الصحيفة عما نشر في حقهم من أقوال تعد من قبيل السب أو القذف أو التشهير لوقائع غير موثقة وبدون دليل .

وبما أن حق النقد مشروع قانونا وخصوصاً للصحيفة ولكن يجب أن يكون ذلك في حدود عدم المساس لشخص صاحب الخبر أو أن يكون النقد مقصده التشهير به أو الحط من كراميته فإذا تجاوز النقد هذا الحد وجب العقاب لأنه يعتبر مرتكباً لفعل السب والقذف والإهانة .

وعلى هذا تعرف الجريمة الصحفية على أنها : نشر الصحيفة لخبر أو مقال أو صورة تخالف العقيدة الإسلامية ( في مجتمعاتنا العربية ) أو بها مساس بحقوق الأفراد أو المساس بالمصلحة العامة للدولة سواء كان الأمر متعلق بنشر خبر أو الامتناع عن نشر خبر بشكل عمدي مع علم الناشر بعدم مشروعية ما يقوم به من فعل .

وقد نصت المادة التاسعة من نظام المطبوعات والنشر على الجرائم الإيجابية التى ترتكبها الصحيفة بإتيانها أحد الأفعال المنصوص عليها في هذا النظام وهى :

يُراعى عند إجازة المطبوعة ما يلي:

1. ألاَّ تُخالف أحكام الشريعة الإسلامية.
2. ألاَّ تفضي إلى ما يُخل أمن البلاد أو نظامِها العام أو ما يخدم مصالح أجنبية تتعارض مع المصلحة الوطنية.
3. ألاَّ تؤدي إلى إثارة النعرات وبث الفُرقة بين المواطنين.
4. ألاَّ تؤدي إلى المساس بكرامة الأشخاص وحُرياتِهم أو إلى ابتزازِهم أو إلى الإضرار بسمعتِهم أو أسمائهم التجارية.
5. ألاَّ تؤدي إلى تحبيذ الإجرام أو الحث عليه.
6. ألاَّ تضُر بالوضع الاقتصادي أو الصحي في البلاد.
7. ألاَّ تُفشي وقائع التحقيقات أو المُحاكمات إلا بعد الحصول على إذن من الجهة المُختصة.
8. أن تلتزم بالنقد الموضوعي البناء الهادف إلى المصلحة العامة والمُستنِد إلى وقائع وشواهد صحيحة.

وقد نصت المادة الخامسة والثلاثون من نظام المطبوعات والنشر على الجرائم السلبية التي ترتكبها الصحيفة بامتناعها غير المشروع عن النشر سواء أكان تصحيح خبر نشرته الصحيفة يخالف واقع الحال أو رد على خبر ( حق الأفراد في الرد والتعقيب وإظهار وجهات نظرهم فيما نشرته الصحيفة عنهم وفيه مساس بشخصهم )

على كُلِ صحيفة نُسِبت إلى الغير تصريحاً غير صحيح أو نشرت خبراً خاطئاً أن تُصحح ذلك بنشرِه مجاناً، بناءً على طلب صاحب الشأن في أولِ عدد يصدُر بعد طلب التصحيح، ويكون ذلك في المكان الذي سبق أن نُشِر الخبر أو التصريح فيه أو في مكان بارِز مِنها، ولِمن أصابه ضرر حق المُطالبة بالتعويض( مادة 35 )

وحتى توجه للصحيفة اتهام بارتكابها أحد الأفعال الغير مشروعة يجب أن يتوافر أركان الفعل الغير مشروع ( الجريمة الصحفية ) وأركان الجريمة الصحفية هنا :

1- الركن المادي : ويتمثل في النشر أو عدم النشر الغير مشروع ويكون بإتيان أحد الأفعال التي تعد مخالفة لنظام المطبوعات والنشر ( المادة 9 ) أو الامتناع عن فعل كما ورد ذكره في ( المادة 35 ) من نظام المطبوعات والنشر ويكون ذلك من خلال الكتابة في الصحيفة بمعنى أن يكتب في الصحيفة ما هو غير مشروع أو تمتنع عن كتابة ما هو واجب

2- الركن المعنوي ويتمثل في القصد الجنائي وهو تواجد النية في ارتكاب الفعل مع العلم بعدم مشروعيته

كيف يتم إثبات الجريمة الصحفية :

الأصل أن الإثبات يتم بكافة الطرق القانونية وفى جرائم الصحف يكون الإثبات فيها بمجرد حدوث النشر وهنا يقع عبء الإثبات على المتضرر الذى يجب عليه أن يثبت حدوث العلانية فيما يتعلق بالخبر بمعنى أن تكون الصحيفة مجهزة للبيع أو مبيعه بالفعل لأن العلانية تعد شرط لإثبات جريمة الصحيفة لأنها الركن المادي للجريمة .

الجهة المختصة بالتحقيق في جرائم الصحف :

نص نظام المطبوعات والنشر السعودي في المادة 37 منه على أن تكون الجهة المختصة بالتحقيق في جرائم النشر هي لجنة داخل وزارة الثقافة والإعلام عند إقامة الدعوي:

المادة السابعة والثلاثون:
تُنظر في المُخالفات لأحكام هذا النظام لجنة تُشكل بقرار من الوزير برِئاسة وكيل الوزارة المُختص لا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة يكون أحدُهم مستشاراً قانونياً وتصدر قراراتِها بالأغلبية بعد دعوة المُخالف أو من يُمثله، وسماع أقوالِه، ويجوز لها دعوة من ترى الاستماع إلى أقوالِه، كما يجوز لها الاستعانة بمن تراه، ولا تُصبح قرارات اللجنة مُعتمدة إلا بعد موافقة الوزير عليها.

عقوبة الجرائم الصحفية

نص نظام المطبوعات والنشر السعودي على العقوبات التي توقع على الصحيفة منها جزاءات وعقوبات قضائية ومنها عقوبات إدارية :

فجاء في نص المادة الثامنة والثلاثون العقوبات الجزائية التي تطبق على الصحيفة في حالة ارتكابها فعلاً غير مشروع من الأفعال التي نص النظام على أنها تعد من جرائم النشر :
(( مع عدم الإِخلال بأي عقوبة أشد ينُصُ عليها نظام آخر، يُعاقب كُل من يُخالف حُكماً من أحكام هذا النظام بغرامة مالية لا تتجاوز خمسين ألف ريال أو بإغلاق محلِه أو مُؤسستِه مُدة لا تتجاوز شهرين أو بإغلاق محلِه أو مُؤسستِه نهائياً، ويصدر بالعُقوبة قرار من الوزير بناءً على اقتراح اللجنة المنصوص عليها في المادة السابعة والثلاثين من هذا النظام )) ( مادة 38 ) . وهذه تعد من قبيل العقوبات الأصلية التي توقع على الصحيفة .

وجاء في نص المادة السادسة والثلاثون الإشارة إلى العقوبات التكميلية التي يمكن أن توقع على الصحيفة وهى : (( للوزارة – عند الضرورة – سحب أي عدد من أعداد الصحيفة دون تعويض، إذا تضمن ما يُخالف أحكام الشريعة الإسلامية، بناءً على قرار من اللجنة المنصوص عليها في المادة السابعة والثلاثين )) ( مادة 39 ) وهذه تعد من قبيل العقوبات الإدارية التي تطبق على الصحيفة .

تحديد المسئولية الجنائية عن جرائم الصحف :

والمسئولية الجنائية تعنى تحديد الشخص الذي قائم بفعل يعد من جرائم الصحافة وأهلية توقيع العقوبة عليه ونظراً لوجود أكثر من شخص يشترك في إعلان الخبر بدأ من التأليف للتوزيع والطبع والنشر وأيضاً عدم الاسمية بمعنى عدم نشر اسم المحرر أو شيوع الخبر تحت اسم أسرة التحرير ولذلك فإن المسئولية الجنائية في هذه الحالات تكون تضامنية .

وقد حدد النظام الأشخاص المسؤلون عن الجرائم الصحفية وهم كاتب المقال ، رئيس التحرير ، الناشر، المشرف ، الموزع ، البائع

– فقد نصت المادة (33) الفقرة (2) مسئولية كاتب المقال حيث نصت علي : مع عدم الإخلال بمسئولية رئيس التحرير أو من يقوم مقامه يكون كاتب النص مسئولاً عما يرد فيه.
– ونصت المادة (33) الفقرة (1) على مسئولية رئيس التحرير : رئيس تحرير الصحيفة أو من يقوم مقامه في حالة غيابه، مسئول عمّا يُنشر فيها.
– ونصت المادة (15) على مسئولية الناشر والموزع والبائع بقولها : المؤلف والناشر والطابع مسئولون عما يرد في المطبوعة من مُخالفات إذا طُبِعت أو وضِعت للتداول دون إجازتها، فإذا تعذرت معرِفة أي مِنهُم أصبح الموزع هو المسئول، وإلا فتقع المسئولية على البائع.
– ونصت المادة (25) الفقرة (4) على مسئولية المشرف : المُشرف على أي من المطبوعات الوارِدة في هذه المادة ومُدير الجهة التي تصدُر عنها مسئولون عمّا يُنشر فيها بموجب أحكام هذا النظام.

بالإضافة لذلك فإن مالك الصحيفة وصاحب الترخيص مسؤلون جنائياً طبقا لنص المادة (13) الفقرة ( ب) من اللائحة التنفيذية والتي نصت على : يعتبر صاحب الصحيفة والمدير مسئولين عن النشاط المرخص به وعن أية مخالفات لأحكام النظام وهذه اللائحة والتعليمات التي تصدرها الوزارة في هذا الخصوص .

ونهايةً نخلص إلى أن الجريمة الصحفية هي : فعل غير مشروع وعمدي يتضمن النشر أو عدمه ويقوم الركن المعنوي فيها على القصد الجنائي وهى تستوجب شرطاً هاما هو العلانية والتي تكون عن طريق النشر .

أ / حسام العريان

المستشار القانوني الشجاع في الشركات

Posted on Updated on

قبل شراء أسهم في شركة بهدف الاستثمار وليس المضاربة، لا بد أن تتأكد من قوة إدارتها، لكون الإدارة من أهم أسباب النجاح أو الفشل لأي عمل. وتتمثل قوة الإدارة في ثلاثة أشخاص هم الرئيس التنفيذي والمراقب المالي والمستشار القانوني. ويحرص مجلس الإدارة غالباً على اختيار الرئيس التنفيذي الجيد لكنه يهمل الموقعين الآخرين رغم أهمية كل منهما، وربما ترك أمر اختيارها وتحديد صلاحياتهما ومرتباتهما وترقياتهما للرئيس التنفيذي، الذي قد يفضل اختيار من لا يرفض له أمراً أو حتى يبدي وجهة نظر صريحة في أي قرار يصر الرئيس على اتخاذه حتى لو لم يكن صواباً، ويعرض مصلحة الشركة وأعمالها للخسائر والأخطار.

وحيث إن المدير المالي معروف دوره ومهامه لدى معظم الناس، فإن حديثي اليوم سيكون مقصوراً على أهمية المستشار القانوني، بشرط أن يكون شجاعا لا يخشى في قول الحق لومة لائم، حتى لو كان اللائم رئيس الشركة أو مديرها.

وهذه الصفة تنطبق على زميل فقدناه في نهاية الأسبوع الماضي وهو المستشار القانوني ميرغني عبد الله مالك – رحمه الله – الذي عملت وإياه سنوات طويلة في إحدى الشركات العربية المشتركة، فكان لرأيه المهني والصريح الذي يصدح به في مجلس إدارة الشركة وفي اجتماعات إدارتها العليا، أثر كبير في تحقيق النجاح لهذه الشركة وإبعادها عن مخاطر كان يمكن أن تتعرض لها لو لم يكن لديها مستشار قانوني شجاع مثل ميرغني مالك، أو لو كانت تعتمد على مكاتب خارجية للاستشارات تقدم رأياً رمادياً لا يضع النقاط على الحروف كما تفعل معظم الشركات رغم تنوع نشاطاتها وعقودها التي تحتاج إلى قراءة قانونية متأنية قبل التوقيع عليها، وقبل أن تقع الفأس بالرأس – كما يقال.

وعودة إلى موضوع اختيار المراقب المالي والمستشار القانوني أقول إن الشركات العالمية الناجحة تضع هاتين الوظيفتين في صف الرئيس التنفيذي تماماً من حيث المرتبات والمزايا، وتربط تعيينها وترقياتها بمجلس الإدارة، حيث لا يكون عليهما أي تأثير أو ضغوط، ويترتب على ذلك اختيار المؤهلين وذوي الخبرة والكفاءة، ولو أضيف إلى ذلك ثقافة واسعة كما كانت حال زميلنا الراحل ميرغني مالك، لأصبحت حالة تميز تستحق الإشادة في سياق الهدي النبوي الشريف بأن نذكر محاسن موتانا. فلقد كان الفقيد صاحب ثقافة موسوعية في الاقتصاد والمصرفية وفي الأدب والسياسة، وكان يقرأ بنهم باللغتين العربية والإنجليزية ويكتب مقالات يستعمل فيها مفردات غنية وفريدة في اللغتين أيضاً، كما أنه يملك من الإقناع حينما يكتب أو يتحدث قدراً كبيراً يشهد به الجميع.

وأخيراً: هكذا يجب أن يكون المستشار القانوني في شركاتنا، والمساهمة منها خصوصاً، متمكناً من تخصصه مخلصاً وشجاعاً في إبداء الرأي لكي نطمئن على حماية مصالح المساهمين في هذه الشركات وبالذات صغار المساهمين الذين يعتبر المستشار القانوني وكيلهم المدافع عن حقوقهم التي لا يستطيعون معرفتها، أو الوصول إلى إدارة الشركة للمطالبة بها في الوقت المناسب.

 

علي الشدي